اختيار اللون

img img img img img img

العدد 184

لا تستعجل الحرام فرزقك يأتيك من الحلال

 بسمه تعالى  

لا تستعجل الحرام فرزقك يأتيك من الحلال[1]

روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) دخل المسجد وقال لرجل (امسك علي بغلتي. فخلع لجامها وذهب به فخرج علي (عليه السلام) بعد ما قضى صلاته وبيده درهمان ليدفعهما إليه مكافأة له، فوجد البغلة عطلى أي خالية من السرج فقد سرقه الرجل طمعاً بثمنه، فدفع إلى غلامه الدرهمين ليشتري به لجاماً، فصادف الغلام اللجام المسروق في السوق قد باعه الرجل بدرهمين، فأخذه بالدرهمين وعاد إلى مولاه.

فقال علي (عليه السلام): إن العبد ليحرم نفسه الرزق الحلال بترك الصبر ولا يزداد على ما قدر له) [2] .

في الرواية درس كبير وقاعدة مهمة في السلوك الإنساني لخصّه أمير المؤمنين (عليه السلام) في تعليقه على الحادث وهو أن لا يستعجل الانسان الوصول إلى غايته بأي وسيلة حتى لو كانت محرّمة وعليه أن يصبر ويثابر لتحقيق غرضه بالوسائل المشروعة وإن طال الزمن لأنه بالنتيجة سوف لا يحصل على غير ما قدر له حتى لو توهم أنه حصل على أزيد من ذلك.

مثلاً يريد أن تزداد ثروته فيعتمد أسلوب الخيانة أو السرقة أو الاستحواذ على المال العام ونحو ذلك من الوسائل الغير مشروعة ويفرح بما حصل عليه واكتنزه من أموال الا أنه في الحقيقة حمّل ظهره اوزار هذه الأموال التي اكتسبها من حرام وسيموت عاجلاً أو آجلاً فتناله عقوبتها ويتهنأ الورثة أو غيرهم بهذه الأموال التي سببّت له شقاء الدنيا والآخرة.

والمثال الآخر شاب أو شابة يستعجلان انشاء العلاقات العاطفية خارج الاطار المشروع دينياً واجتماعياً وهو الزواج وتقع المرأة في الفخ وتظن ان الرجل سيتزوج بها وهو يخدعها ثم يتركها فتتعرض سمعتها لتشويه كبير ولا يقدم أحد من الشباب على الزواج منها فتحرم من فرصتها الطبيعية المحلّلة والطيبة بسبب ترك الصبر عن الحرام وعدم كبح جماح النفس المستعجلة (وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) (الإسراء:11)

أو بعض الموظفين الذين يعرقلون معاملات الناس من أجل ابتزازهم ولو أنجزوا المعاملات بيسر ومودة لأعطاهم المُراجِع هدية من تلقاء نفسه وبطيب خاطر تغنيهم عن الحرام الذي استعجلوه.

فالمطلوب من المؤمنين ان يكبح جماح نفسه ويتقي ربًّه ولنذكر هنا كلمة الامام الجواد (عليه السلام) قال فيها (اعلم انك لن تخلو من عين الله فانظر كيف تكون)[3].

[1] - من حديث سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) يوم السبت 21/ذق/1439 الموافق 4/8/2018

[2] - ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٢ - الصفحة ١٠٧٦، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٣ / ١٦٠.

[3] - تحف العقول: 335

العدد 184

المرجع اليعقوبي يذكّر طلبة العلوم الدينية بوظائفهم

بسمه تعالى 

المرجع اليعقوبي يذكّر طلبة العلوم الدينية بوظائفهم

أكّد سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) على ضرورة اهتمام طلبة العلوم الدينية بتزكية النفس وتهذيبها وتطهير القلب مضافاً إلى وظيفتهم الأساسية في تحصيل العلوم الدينية والالمام بالثقافة العامة لتكوين شخصيتهم العلمية والفكرية والمعنوية، وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم كما في قوله تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (الجمعة:2) فالتزكية وتنقية الباطن أساس سلوك طلاب العلم والمصححة لغاياتهم.

وذكر سماحته ما حكي عن بعض مراجع الدين من قطع المعونة الشهرية عن طلبته لما مرّ على المدرسة الدينية التي يقيمون فيها اثناء ذهابه إلى الحرم الشريف قبل الفجر بساعة فلم يجد مصابيحها مضاءة فعلم أنهم لا يقومون لصلاة الليل فأراد أن يعطيهم درساً في أهمية صلاة الليل في حياتهم المعنوية ووصولهم إلى المقامات السامية (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً) (الإسراء:79).

وقال سماحته في كلمة توجيهية امام جمع من طلبة العلوم الدينية الذين وفدوا من عدة مدن إيرانية لمعايشة [1] أجواء الحوزة العلمية في النجف الأشرف إلى جوار أمير المؤمنين (عليه السلام): ان اتخاذكم مسلك طلب العلوم الدينية من اعظم التوفيقات الإلهية وهو يفتح الأبواب الواسعة لنيل رضا الله تعالى فعليكم شكر هذه النعمة وتكريس وقتكم للتحصيل وعدم الاشتغال بغيره.

وجعل سماحته من ضمن واجبات طالب العلم استثمار العطلة الدراسية في المواسم الدينية لاداء وظيفة التبليغ فان الأمة بحاجة إلى تعلم الاحكام الشرعية والموعظة والإرشاد وهي من الوظائف الأساسية لطلبة العلم ولا تنافي التحصيل وبلوغ اسنى المراتب العلمية وعلى طالب العلم أن لا ينفصل عن مجتمعه وأن يعايش همومهم وآلامهم ويتفاعل معها ويسعى بما آتاه الله لإصلاح أحواله.

[1] - كان ذلك في العشر الاواخر من شهر رمضان / 1439 الموافق حزيران / 2018

العدد 184

وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً - في العجلة الندامة الا في فعل الخير

بسم الله الرحمن الرحيم

 (وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) (الإسراء:11)

في العجلة الندامة الا في فعل الخير [1]

قد يتوصل الانسان إلى معرفة عميقة بأجزاء جسمه ووظائفها والامراض العارضة لها وكيفية علاجها، لكن لا أحد يستطيع أن يصف الانسان في هواجسه وميوله وغرائزه ومكنونات ضميره أفضل من خالقه العظيم، وقد كشف القرآن الكريم عن جملة من هذه الاوصاف، قال تعالى (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً) (المعارج:19) (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (الأحزاب:72) (إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم:34) (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) (الكهف:54)  (إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ) (الحج:66) (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) (العاديات:6) (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (يوسف:103) (وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) (الأعراف:79) (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) (المؤمنون:70) وغيرها مما تستحق أن يفرد لها بحث مستقل إلى ان تصل  ذروة الشكوى  من الانسان والدعاء عليه في قوله تعالى  (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) (عبس:17) وكانت نتيجة ذلك (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) (العصر:2).

والمقصود ليس الانسان بذاته وحقيقته وأصل خلقته لأنه صٌمِّم (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين:4) ليكون خليفة الله في أرضه وأسجد له ملائكته (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء:70) وعنده القابلية لأن يكون أعلى درجة من الملائكة اذا أخلص العبودية لله تعالى، وفي الحديث عن الامام الباقر (عليه السلام) (ما خلق الله عز وجل خلقاً أكرم على الله عز وجل من المؤمن لأن الملائكة خدّام المؤمنين) [2]. وعلّل ذلك الامام الصادق (عليه السلام) عندما سأله عبدالله بن سنان : الملائكة أفضل أم بنو آدم؟ فقال (عليه السلام) (قال أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) : إن الله ركّب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل، وركّب في بني آدم كلتيهما، فمن غلب عقلُهُ شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم) [3] .

وانما المقصود الانسان بواقعه الخارجي وسلوكه العملي الذي اختاره بنفسه لأنه لم يحافظ على فطرته ولم يلتزم بما خُطِّط له واتبع هواه وغرّته الدنيا وزين له الشيطان عمله وفي الحديث (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه و يمجسانه) [4] ، ولو ناله التوفيق الإلهي وحصلت له التربية الصالحة لما انحدر إلى تلك الصفات، ولذا استثنت الآيات الكريمة ولم تشمل كل انسان (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) (المعارج:19-23) (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).

ومن هذا نعرف أنه لا يوجد تنافي بين هاتين النظرتين القرآنيتين ومن تلك الغرائز والميول: العجلة وعدم التأني في اتخاذ القرار والموقف فيتخبط ويوقع نفسه في الضرر (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ) (الأنبياء:37) حتى إنه بسبب استعجاله يدعو ويطلب الشر لنفسه كطلبه الخير حين يندفع لتحقيق مطامعه من دون أن يفرِّق بين الوسائل المشروعة وغير المشروعة للوصول إلى أهدافه. (وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) (الإسراء:11) فكونه عجولاً بطبعه علة لدعائه بالشر كما يدعو بالخير والظاهر أن (كان) هنا شأنية أي ان من شأنه ذلك أو (كان) التامة بمعنى وُجِد وخلق وفي طبعه العجلة، وتكون (عجولا) حالاً وليس خبر كان بناءاً على كونها ناقصة.

والدعاء هنا بمعنى الطلب وهو أوسع من كونه باللسان أو بالسعي والعمل فدعاؤه بالخير والشر أي طلبه لهما وسعيه اليهما كمن يطلب الرزق تارة بلسانه وأخرى بسعيه وجهده، قال تعالى (يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الرحمن:29) وليس كلهم يسألون باللسان فالإنسان لطبعه العجول يطلب الشر أو يسعى اليه بالعمل كطلبه الخير (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) (الحج:47) (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) (الرعد:6) (قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) (النمل:46).

وقد أورد القرآن الكريم نماذج من هؤلاء كقوله عن أحدهم ــ قيل إنه النضر بن الحارث ــ (اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (الأنفال:32) وقد استجاب الله تعالى دعائه وتمكّن منه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقتله ولذا ورد التوجيه من الامام الصادق (عليه السلام) (اعرف طريق نجاتك وهلاكك كي لا تدعو الله بشيء عسى فيه هلاكك وانت تظن أن فيه نجاتك) [5] .

دوافع العجلة:

 وإنما يعجل الانسان لاتباعه هواه فيستعجل تحصيل اللذة والمتعة وما يوافق هواه أو لسذاجته وحسن ظنه المفرط أو لجهله بحقائق الأمور وعواقبها فيتوهم الأمور بالعكس فيرى الخير شراً والشر خيراً وتنقلب الموازين في نظره فيصبح عنده المعروف منكراً والمنكر معروفاً، فيصير ذلك حجاباً عن الحقيقة والمعرفة ومانعاً من التكامل.

الاستعجال محمود ومذموم:

والاستعجال قد يكون محموداً أو مذموماً فالمحمود ما كان في فعل الخير إذ تستحب المبادرة إليه ، قال تعالى (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران:133) وقال تعالى (وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) (آل عمران:114) (فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ) (البقرة:148) وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله (التؤدة في كل شيء خير الا في عمل الآخرة)[6] وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)  قال (التؤدة ممدوحة في كل شيء الا في فرص الخير) [7] وعنه (عليه السلام) قال  (اذا عرض شيء من أمر الآخرة فابدأ به، واذا عرض شيء من أمر الدنيا فتأنَّه حتى تصيب رشدك فيه)[8]، وإنما طلب التعجيل إلى فعل الخير لأن التثاقل والتباطؤ فيه يعطي فرصة للشيطان وللنفس الامارة بالسوء لثني الشخص عن المضي فيه كما في الحديث الشريف عن الامام الباقر (عليه السلام) قال (من همَّ بشيء من الخير فليعجّله فان كل شيء فيه تأخير فإن للشيطان فيه نظرة) [9] وعن الامام الصادق (عليه السلام) قال (اذا همَّ أحدكم بخيرٍ أو صلةٍ فإن عن يمينه وشماله شيطانين، فليبادر لا يكفّاه عن ذلك) [10].

واما الاستعجال المذموم ففي اقتحام الأمور من دون حساب عواقبها والسير وراء المطامع والشهوات بمجرد خطورها في ذهنه وتراءي مصلحة ما فيها من دون تروّي وملاحظة النتائج والاثار وحينئذٍ يصطدم بالنتيجة وتحلّ به الندامة، اما اذا درس الموضوع بشكل جيد وعرف وجه الصلاح فيه. فحينئذٍ ينفذّ ما انعقد عليه عزمه، قال تعالى (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ) (آل عمران:159).

فعلى الانسان ان يصبر ويتأنى في نيل مقاصده واغراضه ويتحقق من كونها مشروعة وان الوسائل التي يريد بها تحقيق غرضه مشروعة أيضاً ونقية وعفيفة، روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله: (انما اهلك الناس العجلة ولو ان الناس تثبتوا لم يهلك أحد) [11] وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال (ان الاناة من الله والعجلة من الشيطان) [12] وعن الامام الصادق (عليه السلام) قال (مع التثبت تكون السلامة، ومع العجلة تكون الندامة) [13] . وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال (التأني في الفعل يؤمن الخطل، التروي في القول يؤمن الزلل) [14] .

وبذلك يتّضح ان الاناة والتثبت من جنود الرحمن والعقل وان العجلة والتسرع من جنود الشيطان والجهل.

روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) دخل المسجد وقال لرجل (امسك علي بغلتي ــ أي احفظها وما عليها من السرقة والضياع إلى ان ينهي الامام عبادته لكن الرجل المؤتمن طمعت نفسه ــ فخلع لجامها وذهب به فخرج علي (عليه السلام) بعد ما قضى صلاته وبيده درهمان ليدفعهما إليه مكافأة له، فوجد البغلة عطلى ــ أي خالية من السرج فقد سرقه الرجل طمعاً بثمنه ــ، فدفع إلى غلامه الدرهمين ليشتري به لجاماً، فصادف الغلام اللجام المسروق في السوق قد باعه الرجل بدرهمين، فأخذه بالدرهمين وعاد إلى مولاه.

فقال علي (عليه السلام): إن العبد ليحرم نفسه الرزق الحلال بترك الصبر ولا يزداد على ما قدر له) [15] . فعجلته لتحصيل المال أدّت به إلى هذه النتيجة السيئة ولنا كلمة مستقلة اعطينا فيها امثلة من الواقع على هذه النتيجة.

ومن صور الاستعجال المذموم قيام البعض بالتشهير بالآخرين وذمهم وتسقيطهم ونشر غسيلهم بمجرد وصول خبر إليه بذلك من دون أن يتحقق  من صدق الخبر أو يعطي الفرصة للآخر لكي يبيّن الحقيقة ويعطي العذر، في الحديث المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال (يا عبد الله لا تعجل في عيب أحدٍ بذنبه، فلعله مغفور له، ولا تأمن على نفسك صغير معصيةٍ فلعلك معذب عليه) [16] .

ومن كتابه (عليه السلام) إلى مالك الاشتر لما ولّاه مصر (لا تعجّلن إلى تصديق ساعٍ فان الساعي غاش وإن تشبّه بالناصحين) [17] .

وهذه العجلة المركوزة في طبع الانسان هي التي تعمي بصيرته وتسلب عقله فتدفعه إلى التشبت بالدنيا والتمسك بها لأنه يجد فيها لذة عاجلة ويعزف عن متطلبات الآخرة لأنها مؤجلّة (إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً) (الإنسان:27).

وقال تعالى (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً) (الإسراء:18).

ومن اسوأ النماذج على هؤلاء عمر بن سعد فانه عندما كلّفه ابن زياد بقيادة الجيش الخارج الى حرب الامام الحسين وبات ليلته يفكّر ويتأمل في ما عرض عليه من ولاية الري وجرجان ان قتل الحسين (عليه السلام) وفيها نار جهنم وانشأ ابياتاً منها:

أأترك ملك الري والري منيتي 

 

ام ارجع مأثوماً بقتل حسين

وأختار في النهاية الدنيا العاجلة الفانية معللاً ذلك بقوله (وما عاقل باع الوجود بدين) لكنه لم يكن عاقلاً في اختياره بل كان أحمقاً ومتوهماً.

 

 

[1] - الخطبة الأولى لصلاة عيد الأضحى المبارك / 1439 الموافق 22 / 8 / 2018

[2] - الكافي: 2/ 33 ح 2

[3] - بحار الأنوار: 60/299 ح 5

[4] - بحار الاَنوار ج 3 ص 22

[5] - نور الثقلين: 3/ 141 عن مصباح الشريعة

[6] - كنز العمال: 5674

[7] - غرر الحكم: 1937

[8] - الامالي للطوسي: 7 ح 8

[9] - أصول الكافي، ج 2 كتاب الايمان والكفر، باب: تعجيل فعل الخير.

[10] - أصول الكافي، ج 2 كتاب الايمان والكفر، باب: تعجيل فعل الخير.

[11] - المحاسن: 1/ 340 ح 697

[12] - نفس المصدر السابق، ح 698، كنز العمال: 5674

[13] - الخصال: 100، ح 52

[14] - غرر الحكم: 1310

[15] - ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٢ - الصفحة ١٠٧٦، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٣ / ١٦٠.

[16] - نهج البلاغة: الخطبة 140

[17] - تهج البلاغة: الكتاب 53

Scroll

العدد 184

دروس من رواية سجّادية

بسمه تعالى

دروس من رواية سجّادية [1]

في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام):  قال أبو محمد الحسن العسكري (عليه السلام) (جَاءَ رَجُلٌ يَوْماً إِلَى عَلِيِّ ابنِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) بِرَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلُ أَبِيهِ فَاعْتَرَفَ، ــ والظاهر ان القتل عمدي واعترف الجاني على نفسه ــ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ، وَ سَأَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ ــ أي طلب الامام من ولي الدم العفو عن الجاني ــ لِيُعْظِمَ اللَّهُ ثَوَابَهُ، فَكَأَنَّ نَفْسَهُ ــ أي ولي الدم ــ لَمْ تَطِبْ بِذَلِكَ ــ أي ان نفسه لم تطاوعه لإسقاط حقه في القصاص ــ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) لِلْمُدَّعِي- وهو وَلِيِّ الدَّمِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْقِصَاصِ ــ : "إِنْ كُنْتَ تَذْكُرُ لِهَذَا الرَّجُلِ عَلَيْكَ حَقّاً فَهَبْ لَهُ هَذِهِ الْجِنَايَةَ، وَ اغْفِرْ لَهُ هَذَا الذَّنْبَ".قَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله،  لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ، وَ لَكِنْ لَمْ يَبْلُغْ (بِهِ‏) أَنْ أَعْفُوَ لَهُ عَنْ قَتْلِ وَالِدِي. قَالَ: "فَتُرِيدُ مَا ذَا"؟

قَالَ: أُرِيدُ الْقَوَدَ ــ أي القصاص ولم يتنازل عن حقه ــ، فَإِنْ أَرَادَ ــ أي الجاني ــ لِحَقِّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَالِحَهُ عَلَى الدِّيَةِ صَالَحْتُهُ وَعَفَوْتُ عَنْهُ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام): "فَمَا ذَا حَقُّهُ عَلَيْكَ"؟

قَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): لَقَّنَنِي تَوْحِيدَ اللَّهِ وَنُبُوَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَإِمَامَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْأَئِمَّةِ (عليهم السلام) ــ أي انه سبب هدايتي وصلاحي والتزامي بالدين وتعليمي العقائد والاحكام الشرعية ــ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام): "فَهَذَا لَا يَفِي بِدَمِ أَبِيكَ! بَلَى وَاللَّهِ، هَذَا يَفِيَ بِدِمَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهِمْ- مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ سِوَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَئِمَّةِ عليهم السلام إِنْ قُتِلُوا فَإِنَّهُ لَا يَفِي بِدِمَائِهِمْ شَيْ‏ءٌ ــ وفيه تعريض بطواغيت بني أمية ثم خاطب الجاني ــ  أَوَ تَقْنَعُ مِنْهُ بِالدِّيَةِ"؟

قَالَ: بَلَى. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) لِلْقَاتِلِ ــ الذي لم يكن يملك مقدار الدية ــ "أَفَتَجْعَلُ لِي ثَوَابَ تَلْقِينِكَ لَهُ‏ حَتَّى أَبْذُلَ لَكَ الدِّيَةَ فَتَنْجُوَ بِهَا مِنَ الْقَتْلِ"؟

قَالَ ــ أي القاتل رافضاً هذا العرض لحاجته إلى الثواب الذي ذكره الامام (عليه السلام) ــ : يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، أَنَا مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا، وَ أَنْتَ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا فَإِنَّ ذُنُوبِي عَظِيمَةٌ، وَ ذَنْبِي إِلَى هَذَا الْمَقْتُولِ أَيْضاً بَيْنِي وَ بَيْنَهُ، لَا بَيْنِي وَ بَيْنَ وَلِيِّهِ هَذَا.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام): "فَتَسْتَسْلِمُ لِلْقَتْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ نُزُولِكَ عَنْ ثَوَابِ هَذَا التَّلْقِينِ"؟ قَالَ: بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ.

فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ: "يَا عَبْدَ اللَّهِ قَابِلْ بَيْنَ ذَنْبِهِ هَذَا إِلَيْكَ، وَ بَيْنَ تَطَوُّلِهِ ــ أي فضله ــ عَلَيْكَ) ثم قارن الامام (عليه السلام) بين جريمة القاتل وثواب العفو عنه أداء لحق الهداية فقال (عليه السلام) (قَتَلَ أَبَاكَ فَحَرَمَهُ لَذَّةَ الدُّنْيَا، وَ حَرَمَكَ التَّمَتُّعَ بِهِ فِيهَا، عَلَى أَنَّكَ إِنْ صَبَرْتَ وَ سَلَّمْتَ فَرَفِيقُ أَبِيكَ‏ فِي الْجِنَانِ، وَ لَقَّنَكَ الْإِيمَانَ فَأَوْجَبَ لَكَ بِهِ جَنَّةَ اللَّهِ الدَّائِمَةَ، وَ أَنْقَذَكَ مِنْ عَذَابِهِ الدَّائِمِ، فَإِحْسَانُهُ إِلَيْكَ أَضْعَافُ‏ أَضْعَافِ جِنَايَتِهِ عَلَيْكَ) ثم عرض (عليه السلام) على الجاني خيارين فقال (فَإِمَّا أَنْ تَعْفُوَ عَنْهُ جَزَاءً عَلَى إِحْسَانِهِ إِلَيْكَ! لِأُحَدِّثَكُمَا بِحَدِيثٍ مِنْ فَضْلِ (رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله) خَيْرٌ لَكُمَا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا، وَ إِمَّا أَنْ تَأْبَى أَنْ تَعْفُوَ عَنْهُ حَتَّى أَبْذُلَ لَكَ الدِّيَةَ لِتُصَالِحَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ أُحَدِّثُهُ بِالْحَدِيثِ دُونَكَ، وَ لَمَا يَفُوتُكَ مِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا لَوِ اعْتَبَرْتَ بِهِ".فَقَالَ الْفَتَى: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ بِلَا دِيَةٍ، وَ لَا شَيْ‏ءٍ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ‏ وَ لِمَسْأَلَتِكَ فِي أَمْرِهِ، فَحَدِّثْنَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ بِالْحَدِيثِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام): "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و آله لَمَّا بُعِثَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً[2]. إلى آخر الحديث المذكور في أبواب معجزاته (صلى الله عليه وآله وسلم) من كتاب البحار وفي تفسير العسكري.

وفي الرواية دروس عديدة نستلهمها من سيرة الامام السجاد (عليه السلام) لنعلم أن في حياته المباركة الكثير مما نستطيع التأسي فيه فندعوا الخطباء إلى تقديم هذا العطاء المبارك للإمام السجاد (عليه السلام) وعدم الاقتصار على ذكر مظلوميته والأذى الذي تعرض له وإن كان مما لا تصمد الجبال امامه، ومن هذه الدروس:

1- إشاعة ثقافة العفو والتسامح واسقاط الحقوق ما دام الجاني مستحقاً لذلك ويشمل العفو حتى قاتل أبيه، ما دام الجاني ليس ممتهناً للجريمة وإنما صدر الفعل منه بسبب غفلة أو عصبية أو استعجال ونحو ذلك اما الممتهن للجريمة والذي لا يبالي بحقوق الناس وكرامتهم فتكون العقوبة مفيدة لردعه وتأديبه وإقامة القانون والنظام (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ) (البقرة:179).

2- ان تكون منصفاً للآخرين وتشهد لهم بحقهم وان كانوا خصوماً لك وتسبّبوا في ايذائك، فولي الدم لم يتوقف عن الشهادة للجاني بالحق مع انه قاتل أبيه، قال تعالى (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة:8) وان تبقى دائماً متذكراً لإحسان الآخرين إليك ولا تتقاعس عن مجازاة احسانهم وفي الحديث الشريف (انسى اثنين : إحسانك إلى الغير وإساءة الغير اليك، واذكر اثنين: أساءتك إلى الغير وإحسان الغير اليك ) [3] .

3- السعي للإصلاح بين المتخاصمين بلا كلل ولا ملل وتقديم كل العروض والخيارات التي تجلبهم إلى الصلح حتى لو اقتضى الأمر بذل المال منك إن قدرت عليه كما فعل الامام السجاد (عليه السلام) فانه مما يعظم ثوابه عند الله تعالى وهو برُّ في موضعه، روي في الكافي بسنده عن ابي حنيفة سابق الحاج قال: مرَّ بنا المفضلّ وانا وختني ــ أي نسيبي ــ نتشاجر في ميراث فوقف علينا ساعة ثم قال لنا تعالوا إلى المنزل فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم فدفعها إلينا من عنده حتى إذا استوثق كل واحد منا من صاحبه، قال: أما إنها ليست من مالي ولكن أبو عبد الله ــ أي الصادق (عليه السلام) ــ أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا في شيء أن أصلح بينهما وأفتديها من ماله، فهذا من مال أبي عبد الله (عليه السلام) [4] .

4- ان تتصف بعلو الهمة وطلب معالي الأمور ولا تقنع بالأمور المادية الزائلة فولي الدم كان ناوياً من أول الأمر العفو عن الجاني ابتغاء وجه الله تعالى ولتوسط الامام السجاد (عليه السلام) كما يظهر من جوابه الأخير الا أنه كان يريد عطاءاً معنوياً من الامام السجاد (عليه السلام) لذا أجلّ الاستجابة إلى حين وصوله إليه.

5- عظمة النعمة التي حبانا الله تعالى بها وهي الايمان بالله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) والتمسك بولاية أهل البيت (عليهم السلام) فلابد من الثبات عليها وعدم التخلي عنها مهما كانت الضغوط والمغريات، وبنفس الوقت نعرف عظمة ثواب تعليم الناس العقائد واحكام الشريعة وأخلاق الإسلام وهداية الناس إليها بحيث ان تعليم شخص واحد هذه الأمور توجب له اسقاط جناية قتل الناس جميعاً من الاولين والآخرين.

[1] - الخطبة الثانية لصلاة عيد الأضحى المبارك / 1439 الموافق 22 / 8 / 2018

[2] - بحار الأنوار: 2/12، باب ثواب الهداية والتعليم، ح 24 عن تفسير العسكري: 596

[3] - تعاملوا في حياتكم بإيجابية/نشرة الصادقين /العدد المائة والثلاثون/ الصفحة الثالثة

[4] - أصول الكافي: 2 / 209 باب الإصلاح بين الناس، ح 4

العدد 184

كيفية الاستعداد للموت

بسمه تعالى 

كيفية الاستعداد للموت [1]

من الادعية التي يستحب تكرارها ما روي عن الامام السجاد (عليه السلام) انه كان يلهج به في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان وهو قوله (اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي التَّجافِي عَنْ دارِ الْغُرُورِ، وَالإِنابَةَ إِلى‏ دارِ الْخُلُودِ، وَالاسْتِعْدادَ لِلْمَوْتِ قَبْلَ حُلُولِ الْفَوْتِ) ففي هذا الدعاء القصير تذكير لما يجب ان يكون عليه الانسان الواعي وهو أن يكون مستعداً لملاقاة أجله متى حلَّ به لأنه يأتيه بغتة ولا يعذر بتركه، وقد وردت أحاديث كثيرة [2] في الحث على الاستعداد للموت، منها عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال (إن العاقل ينبغي ان يحذر الموت في هذه الدار، ويُحسِن له التأهب قبل أن يصل إلى دار يتمنى فيها الموت فلا يجده) [3] وعنه (عليه السلام) قال (بادروا الموت الذي إن هربتم منه ادرككم، وإن اقمتم أخذكم وان نسيتموه ذكركم) [4] .

وتشير بعض الآيات الكريمة إلى ان الاستعداد للموت وعدم كراهة لقائه علامة على صدق الايمان وحب الله تعالى، قال عز من قائل (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (الجمعة:6) وسنفرد لتفسير هذه الآية بحثاً مستقلاً إن شاء الله تعالى.

ولمعرفة كيفية الاستعداد للموت اكتفي بهذه الرواية التي ذكرتها بعض كتب الاخلاق وعنوانها (الهدايا العشر) ووردت بعض فقراتها في روايات مختلفة وهي متدرجة بحسب المراحل التي يواجهها الانسان في رحلة الآخرة (جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وآله فقال له: أتأذن لي أن أتمَّنى الموت؟ فقال صلّى الله عليه وآله: الموت شيء لا بدّ منه، وسفر طويل ينبغي لمَن أراده أن يرفع عشر هدايا) فكأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صحّح القصد من السؤال لأن المؤمن لا يتمنى الموت بمعنى التمني المعروف ولا يقترح على الله تعالى فيما يختار له، ووردت أحاديث كثيرة في النهي عن تمني الموت كقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (لا تمنّو الموت، فأنه يقطع العمل، ولا يُردُّ الرجل فيستعتب) [5] فعليه أن يسأل عن كيفية الاستعداد للموت وماذا يهيء لرحلة الآخرة.

(فقال: وما هي؟ فقال صلّى الله عليه وآله: هديّة عزرائيل ــ وهو ملك الموت ــ، وهديّة القبر، وهديّة منكر ونكير، وهديّة الميزان، وهديّة الصّراط، وهديّة مالك ــ وهو خازن النيران ــ، وهديّة رضوان ــ وهو خازن الجنان ــ، وهديّة النبي صلّى الله عليه وآله، وهديّة جبرائيل، وهديّة الله تعالى.

أمّا هديّة عزرائيل عليه السلام فأربعة أشياء: إرضاء الخُصماء، وقضاء الفوائت والشّوق إلى الله تعالى، والتّمنّي للموت) فأول خطوة عليه أن يبادر إلى رد حقوق الناس المادية والمعنوية واسترضائهم، وتمني الموت يعني الاستعداد له وعدم كراهة لقاء الله تعالى.

(وهديّة القبر أربعة أشياء: ترك النّميمة، والاستبراء من البول، وقراءة القرآن ــ باستمرار ولا يقتصر على شهر رمضان ــ، وصلاة اللّيل) وتوجد أحاديث في أن الميت يتعذب في قبره بسبب النميمة وترك الاستبراء ــ أي الخرطات التسعة لتنقية المجرى من البول ــ بعد التبول.

(وهديّة منكر ونكير أربعة أشياء: صدق اللّسان، وترك الغيبة، وقول الحقّ ــ ولو على نفسك ولا تكتم شهادة الحق ــ، والتواضع لكلّ أحد) بأن تسلِّم على الجميع وتجلس حيثما تيسَّر.

(وهديّة الميزان أربعة أشياء: كظم الغيظ ــ إذا ازعجك شيء أو استفزك أحد ــ، وورع صادق، والمشي إلى الجماعات ــ في صلوات الجمعة والجماعة والشعائر الحسينية ونحو ذلك ــ، والتداعي إلى المغفرات ــ أي المسارعة إلى أسبابها الموجبة لها كقوله تعالى (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) (آل عمران:133).

وهديّة الصّراط أربعة أشياء: إخلاص العمل ــ لله تعالى من أي شائبة وترك الرياء والعجب والمنّ ــ، وحُسن الخُلق، وكثرة ذكر الله، واحتمال الأذى) خصوصاً من القريبين منك كالوالدين والزوجة والجار ورفيق السفر. وإن الانسان ليبلغ بحسن أخلاقه وكثرة ذكر الله تعالى درجة الصديّقين.

(وهديّة مالك أربعة أشياء: البكاء من خشية الله، وصدقة السّرّ، وترك المعاصي، وبِرّ الوالدين.

وهديّة رضوان أربعة أشياء: الصبر على المكاره، والشكر على نعم الله، وإنفاق المال في طاعته، وحفظ الأمانة.

وهديّة النبي صلّى الله عليه وآله ــ الذي ترجو شفاعته ــ أربعة أشياء: محبّته، والاقتداء بسنّته ــ كما في دعاء شهر شعبان: واعّنا على الاستنان بسنته فيه ونيل الشفاعة لديه ــ، ومحبّة أهل بيته وحفظ اللّسان عن الفحشاء) لأن لسانك أصبح محلاً لذكر الله تعالى وتلاوة القرآن فلا يليق به أن يتلفظ بسوء أو أذى أو فحش.

(وهديّة جبرائيل عليه السلام أربعة أشياء: قِلّة الأكل، وقِلّة النّوم، وقِلّة الكلام ومداومة الحمد.

وهديّة الله تعالى أربعة أشياء: الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، والنّصيحة للخلق، والرّحمة على كل أحد) [6] .

والملفت ان الهدية التي ادخرها الله تعالى لنفسه تتعلق بمخلوقاته كإصلاحهم وهدايتهم والرحمة بهم والشفقة عليهم وقضاء حوائجهم وإدخال السرور عليهم ولم يجعلها كثرة صلاة أو صوم أو أي عبادة أخرى مما يبرز عظمة هذه الخصال عند الله تعالى وأهمية العلاقات الإنسانية النبيلة في الدين.

 

[1] - من حديث سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) مع جمع من المؤمنين والشباب المنتظمين في المعايشة الرمضانية يوم الخميس 29 / رمضان / 1439 المصادف 14 / 6 / 2018.

[2] - راجع ميزان الحكمة: 8/223

[3] - غرر الحكم : 3611

[4] - نهج البلاغة، الحكمة: 203

[5] - ميزان الحكمة: 8/ 228 عن كنز العمال: 42127

[6] - كتاب ادخال السرور على اهل القبور:  للسيد حسين نجيب محمد،  ص207

العدد 184

الحرب النفسية والتضييق على أصحاب المبادئ

بسمه تعالى

الحرب النفسية والتضييق على أصحاب المبادئ[1]

انقل لكم هذه الواقعة لنأخذ منها عدة دروس وعبر وقد حصلت مع احد أصحاب الامام الصادق (عليه السلام) اسمه عمار الدهني تتعلق برّد قضاة العباسيين لشهادته لا لشيء الا لأنه من شيعة اهل البيت (عليهم السلام) مع اعترافهم بانه من اهل العلم والحديث ونعلم ان رد الشهادة تستبطن معنى التفسيق وعدم الصلاح.

في البحار: قيل للصادق (عليه السلام) إن عمارا الدهني شهد اليوم عند ابن أبي ليلى قاضي الكوفة بشهادة فقال له القاضي: قم يا عمار فقد عرفناك لا تقبل شهادتك لأنك رافضي فقام عمار وقد ارتعدت فرائصه واستفرغه البكاء فقال له ابن أبي ليلى: أنت رجل من أهل العلم والحديث إن كان يسوءك أن يقال لك رافضي ــ أي شيعي موالي لأهل البيت (عليهم السلام) ــ فتبّرأ من الرفض فأنت من إخواننا، فقال له عمار: يا هذا ما ذهبت والله حيث ذهبت) أي ليس بكائي وجزعي من الاستخفاف بي وردّ شهادتي.

(ولكن بكيت عليك وعلي، أما بكائي على نفسي فانك نسبتني إلى رتبة شريفة لست من أهلها زعمت أني رافضي ويحك لقد حدثني الصادق عليه السلام أن أول من سمي الرفضة السحرة الذين لما شاهدوا آية موسى في عصاه آمنوا به واتبعوه، ورفضوا أمر فرعون، واستسلموا لكل ما نزل بهم، فسماهم فرعون الرافضة لما رفضوا دينه، فالرافضي كل من رفض جميع ما كره الله، وفعل كل ما أمره الله، فأين في هذا الزمان مثل هذا ؟. وإن ما بكيت على نفسي خشيت أن يطلع الله عزوجل على قلبي وقد تلقبت هذا الاسم الشريف على نفسي فيعاتبني ربي عزوجل ويقول: يا عمار أكنت رافضا للأباطيل، عاملا بالطاعات كما قال لك؟ فيكون ذلك بي مقصرا في الدرجات إن سامحني، وموجبا لشديد العقاب علي إن ناقشني، إلا أن يتداركني موالَّي ــ أي المعصومون (سلام الله عليهم) ــ  بشفاعتهم.

وأما بكائي عليك فلعظم كذبك في تسميتي بغير اسمي وشفقتي الشديدة عليك من عذاب الله أن صرفت أشرف الاسماء إلي، وإن جعلته من أرذلها كيف يصبر بدنك على عذاب كلمتك هذه؟) قال له ذلك لأنه لا يستطيع أن يقول له انك اغضبت الله تعالى لأنك رضيت أن تكون قاضياً للسلطة الجائرة وأداة لظلمهم فبعت دينك بثمن دنيوي بخس.

(فقال الصادق (عليه السلام): لو أن على عمار من الذنوب ما هو أعظم من السماوات و الارضين لمحيت عنه بهذه الكلمات وإنها لتزيد في حسناته عند ربه عزوجل حتى يجعل كل خردلة منها أعظم من الدنيا ألف مرة [2]  .

وتشير المصادر الى ان الواقعة تكررت مع اخرين من أصحاب الامام (عليه السلام) فقد روى الشيخ الصدوق عن أبي كهمس أنه قال: (تقدمت إلى شريك في شهادة لزمتني فقال لي: كيف أجيز شهادتك وأنت تنسب إلى ما تنسب إليه، قال أبوكهمس: فقلت: وما هو؟ قال: الرفض، قال: فبكيت ثم قلت: نسبتني إلى قوم أخاف ألا أكون منهم، فأجاز شهادتي) و قد وقع مثل ذلك لابن أبي يعفور ولفضيل سكرة([3]).

 ونستفيد من الرواية عدة دروس:

1-  ذكرت الرواية باختصار المعنى الحقيقي للتشيع وانه ليس مجرد دعوى ندّعيها او نؤدي بعض المظاهر الدالة عليها كزيارة الائمة (عليهم السلام) والمشاركة في شعائرهم ونحو ذلك بل لابد ان يكون لها معنى حقيقي في واقعنا وسلوكنا وطريقة تفكيرنا ونظرتنا الى كل الأمور حولنا.

2-  ان يكون الانسان ورعا في دينه ومن علامات ورعه رفضه ما يكال له من مدح وثناء ومبالغة تصل إلى حد التقديس لأنه خير من يعرف حقيقة نفسه فلا ينخدع بما يضفيه عليه الاخرون من ألقاب وعناوين ويلتزم بقول أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما مدحه أحد بحضرته (للهم لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني خيراً ممّا يظنّون ، واغفر لي ما لا يعلمون ، إنّك علاّم الغيوب ) [4]

3-  الثواب العظيم الذي يمنحه الله تعالى بفضله لمن يكون على هذا المستوى من مراقبة النفس وقد ذكره الامام (عليه السلام) في نهاية الرواية.

4-  الحرب النفسية والتضيق والحصار الاجتماعي الذي كان يمارسه خصوم اهل البيت (عليهم السلام) عليهم وعلى شيعتهم بما يمتلكون من سلطة ونفوذ واموال وإعلام وكثرة اتباع ونحو ذلك من الأدوات حسداً من عند انفسهم لان وجود اهل البيت(عليهم السلام) ومن سار على نهجهم يشكل فضيحة لهم لوضوح الفارق الأخلاقي الشاسع بينهم (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء : 54) وان الناس حينما تقارن بين الخطين والمنهجين فإنها لا تتردد في الإذعان لأحقية اهل البيت (عليهم السلام) وسوف تتمرد على أولئك وتلتحق بركب اهل البيت (عليهم السلام) فيقومون بحملات شرسة قاسية للتسقيط والتشويه والتضييق.

وفي الحقيقة فان هذه الحرب النفسية والتسقيط والافتراء والتضليل يتعرض لها كل أصحاب المبادئ الحقة لمنع وصول صوت الحق الى عموم الناس كالذي يتعرض له المسلمون من أعداء الإسلام، او الشيعة من غيرهم ضمن دائرة الإسلام، ويتعرض لها اتباع المرجعية الرسالية العاملة داخل المذهب ايضاً لنفس الأسباب المذكورة أعلاه.

فعلى أصحاب المبادئ الحقّة ان لا يشعروا بالضيق مما يتعرضون له وان لا يتراجعوا او يترددوا او تضعف ثقتهم بأنفسهم بل عليهم ان يعرفوا فضل الله تعالى ونعمته ان هداهم الى الصراط السوي (وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (النساء: 113)

[1] - من حديث سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) مع جمع من الوفود والزوار في مكتبه يوم الخميس 19/ذق/1439 الموافق 2/8/2018

[2] - بحار الانوار: 65/156-157 عن تفسير العسكري :310

[3] - ما لا يحضره الفقيه: باب نوادر الشهادات / ح152- معجم رجال الحديث :13/ 270

[4] - نهج البلاغة – خطب ورسائل - خطبة الإمام علي(ع) في وصف المتقين

العدد 185

مسؤوليتنا عن عالمية الإسلام والنهضة الحسينية

مسؤوليتنا عن عالمية الإسلام والنهضة الحسينية [1]

عطاء الامام الحسين (عليه السلام) ليس مختصاً بالشيعة فقط ولا بالمسلمين فقط وانما هو معين بما في ذلك واهما.

انها الحقيقة تحملّنا نحن الموالين للحسين (عليه السلام) و الذين يعرفون شيئاً من عبق الحسين (عليه السلام): "هذا هو السبب في عبور"  او حواضر الغرب والشرق قد توقفنا للشكوى و السؤال بين يدي الله تعالى يوم القيامة و تقول : يا رب العزة والجلال خذ لنا حقنا من هؤلاء الذين حرمونا من بركات الامام الحسين (عليه السلام) و لم يوصلوا  لنا رسالته باللغة آلتي نفهمها لنستفيد منها وننهل من بركاتها .

اليس من اوصاف الامام الحسين (عليه السلام) انه (مصباح الهدى وسفينة النجاة) فيب ان يصل الى كل من يريد الهداية والامو ويصعد في سفينته كل من يريد النجاة من الغارقين في الذنوب والفتن والضلال والانحراف والفساد ، فيجب ان لا يحرم احدٌَ من هذا الفضل العظيم.

لقد كانت تلك النسبة ، ولكننا نرفضها ، ولكننا نرغب في أن نلتزم بها. روايات ثواب البكاء والتبديل على الامام الحسين (عليه السلام) لانهم لا يؤمنون بأصول الاسلام ولكن لو اتيناهم من الباب واللغة التي يفهمونها وبالخطاب المناسب وشرحنا لهم  الاثار الاجتماعية والنفسية والأخلاقية حتى الصحة أيضا للبكاء على الحسين (عليه السلام) لأذعنوا بقيمة البكاء و بركته ، تلك الاثار والتداعيات التي فهمها الطغاة و المستبدون بالفنعوا الشعائر الحسينية وواجهوها بالحديد و النار ، و من قبل من البكاء على ابيها فاضطر امير المؤمنين (عليه السلام) لبناء بيت الاحزان لكي تبكي اباها (صلى الله عليه و سلم) فيه.

ولما يرتقي المنبر خطيب في الامان الحسين (عليه السلام) على يزيد بانه كان يشرب الخمر ويضرب بالآلات الموسيقية ويرتكب الفاحشة ويلاعب القردة ونحو ذلك فانهم لا يجدون فيها مشكلة ويرونها من الحريات الشخصية ولو سلموا بخطأ بعض تلك الافعال فإنهم لا يرونها تستحق الخروج على السلطة الحاكمة والتضحية بالنفس والنفيس حتى الرضع وسوق اكرم خلق الله تعالى اسارى الى مجلس ارذل خلق الله تعالى

ولكن لو وضعنا كلمات الامام الحسين (عليه السلام) في خطاب جديد مناسب لثقافة الايصال المعاصرة حرام الله) فانتهك حرمة القران والسنة وهما دستور المسلمين.

وانه انتهك حقوق الانسان (يحبس على الظّنه ويقتل على التهمة) وانه كان سلطان ظالماً جائراً وصل الى السلطة بالقهر من دون ارادة الشعب ونحو في ذلك السلطات الظالمة والمستبدة.

فأذن عالمية النهضة الحسينية ليست كلمة نتبجح بها على الاخرين ونتصور ان قدمنا ​​شيئاً للإنتاج الحسين (عليه السلام) وانح هي مسؤولية واسعة تقع علينا نحن الموالين للإمام (عليه السلام) بان نخاطب جميع الأمم بالثقافة السائدة عندهم وباللغة التي تلعبونها واستهلك حسبانها وعلاجها.

وهذه المسؤولية تدعونا الى ان ننوِّع ادواتنا ونحتضن كل الطاقات للنجاح في هذه المهمة.

وأن اي تقصير في اداء هذا الواجب نحاسبه ، وأصلح منه في المحاسبة إذا كان ذلك في حد ذاته باسم الدين والمذهب ، مما يدل نفور البعض من الحداد.

اليس يتخرج الكثير من ابنائنا في كليات اللغات سناتا وهم يجيدون باللغات العالمية المتنوعة ولا يجدون فرصه عمل او عمل في مجالات بعيدة عن اختصاصهم فلماذا لا نؤسس بالمعنى.

ما نحتاجه اذن ليس فقط عصرنة الخطاب الاسلامي والحسيني خاصة ، وانما أيضا تنوعه وتعدد لغاته وادواته ومنافذهـه.

  أقْلَمْ أَنْ يَعُودِ الحَرْفِ: أَنْتَ أَيْضًا إِذَا قَوْلًا إِنَّ الْمُسْتَقْبَلِينَ الناس فان الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا) [2] . وقد استخرجنا نكاتٍ عديدة من هذه الرواية في حديث آخر [3] .

 

[1] - من حديث سماحة المرجع اليعقوبي (دام ظله) مع أساتذة وطلبة مدرسة الابرار للعلوم في النجف الاشرف يوم الثلاثاء 23 / ذح / 1439 الموافق 4/9/2018

[2] - عيون اخبار الرضا: 1/275 باب 28 ح 69 ، معاني الاخبار: 180

[3] - راجع كلمة بعنوان (فان الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا)

العدد 185

بروفيسور في علم الأديان المقارن يثمن أجوبة المرجع اليعقوبي على بعض إشكالات الملحدين

بروفيسور في علم الأديان المقارن يثمن أجوبة المرجع اليعقوبي

على بعض إشكالات الملحدين

تعرّض سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) عند تفسيره الآية الكريمة (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ) (الرعد:11) إلى عيد الملائكة الحارسة للطائفة المسيحية الكاثوليك، وناقش خلال المحاضرة كبير اساقفة كانتربري الذي شكك في وجود الله تعالى وأجاب سماحته على الإشكالات التي اثارها [1].

وننشر الآن رسالة بعثها بروفيسور في علم الأديان المقارن في الجامعات الأمريكية إلى سماحة المرجع اليعقوبي للتعبير عن اعجابه بتلك الأجوبة جاء فيها:

(بسمه تعالى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عظم الله أجوركم بمصاب الحسين [2] عليه السلام

انا الدكتور عوده مهاوش، مستبصر من الاردن اعيش في امريكا واعمل كبرفيسور ديانات مقارنة في جامعة سينت تاموس الأمريكية التابعة للفاتيكان. استمعت توا لتفسير سماحة الشيخ اية الله اليعقوبي حفظه الله تعالى لأية "له معقبات من بين يديه...." وكم أصابتني الحسرة لأن أفكار سماحته لا توجد بشكل واسع في أوساط الغربيين حيث أن الموضوع الذي عالجه سماحته هو الأساس في الحاد خلق عظيم من خلق الله تعالى وقد أجاب عنه سماحته بكل يسر وبأسلوب يقنع الأكاديمي المتمرس والعامي التائه.

ارجو إيصال بالغ شكري لسماحته والطلب من سماحته أن يوعز للأخوة أن يقوموا بالواجب في نشر أفكار سماحته في بلاد الغرب وستكون له جنة من كل سوء بإذن الله تعالى

مع محبتي الخالصةاخوكم د. ابو محمد)

وقد أجاب سماحته بالحمد والثناء لله تعالى على فضله والشكر والامتنان للمرسل والتعريف بقنوات التواصل للتعرّف على هذه القضايا المهمة.

 

[1] - راجع المحاضرة في تفسير (من نور القرآن: 1/88-96) وفي موسوعة خطاب المرحلة: 9/150

[2] - تاريخ الرسالة 1 محرم 1438 المصادف 10/2016

العدد 185

ملتقى الحوزة العلمية مع أساتذة الجامعات

ملتقى الحوزة العلمية مع أساتذة الجامعات

استضاف [1] سماحة المرجع  الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) في مكتبه جمعاً من أساتذة الجامعات والمثقفين والادباء في النجف الأشرف لإجراء حوارات حول قضايا مهمة وكانت البداية من ضرورة الترابط الوثيق بين الحوزة العلمية والنخب الاكاديمية للارتقاء بمستوى وعي الأمة وثقافتها وأخلاقها وقدرتها على مواكبة التحديات الحضارية، ومناقشة أسباب الفجوة بين الجهتين والتي تبدو واقعية احياناً ومصطنعة أحياناً أخرى.

وفي البداية رحّب فضيلة الشيخ حسنين قفطان بالحاضرين وحيّاهم بقصيدة نالت استحسانهم ثم تحدّث باختصار الدكتور عباس العبودي عميد كلية طب الاسنان في جامعة الكوفة عن قدرة الإسلام على بناء دولة الإنسان الكريمة وكيفية تحقيقها ثم قدّم سماحة الشيخ المرجع (دام ظله) فبدأ حديثه بالترحيب بالحضور والحث على عقد مثل هذه المجالس والندوات التي فيها حياة للأمة وتحقيق لآمالها وتطلعاتها ومعالجة لمشاكلها لذا من الطبيعي أن يسأل عنها الامام الصادق (عليه السلام) (أتجلسون وتحدثون، إن تلك المجالس أحبّها، فأحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا) [2].

ولا يحب الامام (عليه السلام) من الأحاديث والمجالس الا ما كان مثمراً ومفيداً وليس فارغاً أو عبثياً أو ترفاً فكرياً، خصوصاً عندما يحييها نخب الأمة التي تفتخر بهم وتذعن لهم وتسلس لهم قيادها.

إن ما يقال من وجود فجوة وإزمة ثقة وسوء ظن بين الحوزة والجامعة قد يكون مبالغاً فيه ولا يوجد الا عند فئة قليلة وقد أسسنا (ملتقى العلم والدين) ليظهر من خلال فعالياته المتنوعة عمق هذه العلاقة والآصرة بينهما التي تصل حد الاندماج والتوأمة في أحيان كثيرة.

وكيف لا تكون كذلك والدين هو المصدر الأول للعلوم والمعارف وملهم العلماء وهو الذي يوفّر البيئة المشجعة على تقدم العلم والتحفيز على طلبه، ويكفي ان نذكر شاهداً على تأثير الإسلام فقد كان العرب في الجاهلية قبائل متناحرة ممزقة لا تعرف من الحضارة شيئاً تتفشى فيها المنكرات وبلغ بها الانحطاط حد وأد البنات المولودات حديثاً. ثم أصبحوا بفضل الإسلام أمة موحدة ودولة قوية قادت الحضارة الإنسانية عدة قرون، فالمشكلة ليست في نفس الدين وإنما في أسباب أخرى نناقشها في حوارنا إن شاء الله تعالى.

وعلى مدى قرون كان العلماء في مختلف الفنون والعلوم والمعارف هم من خريجي الحوزات والمؤسسة الدينية ثم برعوا في الرياضيات والكيمياء والفلك والطب والفيزياء والأدب واللغة كابن حيان وابن الهيثم والبيروني وابن سينا ونصير الدين الطوسي والبهائي وغيرهم ثم حصل التمايز والافتراق بين هذه العلوم لا لمشكلة بينها وإنما هي حالة طبيعية نتيجة تعمق العلوم وتخصّصها ثم تحوّل هذا التمايز والافتراق إلى فراق أحياناً.

وأذكر لكم مثالاً من علومنا الحوزوية فقد كان الفقه واحداً ويشمل جميع الاحكام الشرعية ثم قسّمه الفقيه المبدع المحقق الحلي (توفي 676 هـ) إلى عبادات ومعاملات ليضبط مسائله من ناحية فنية بحتة فجعل في الأول الصلاة والصوم والحج والزكاة ونحو ذلك وجعل في الثاني البيع والنكاح والمواريث والقضاء والوقف ونحو ذلك لكن هذا التقسيم الفني تحوّل إلى ثقافة خاطئة لدى الكثيرين وهو حصر العبادة في القسم الأول منه أما الثاني فليس كذلك، مما أفقدنا حافزاً قوياً وفاعلاً للحث على القيام بالأعمال الإنسانية التي فيها خدمة الناس وإقامة العدالة الاجتماعية بينهم، وهذا المعنى ليس بصحيح لأن كل فعل يقوم به الانسان يمكن أن يكون عبادة مقربة إلى الله تعالى وقد وردت أحاديث كثيرة في اعتبار بعض أنماط السلوك الإنساني من أفضل العبادات.

فالفصل الذي حصل بين العلوم الحوزوية والأكاديمية هو فني وعلمي بحت لتعمق هذه العلوم والتخصص في فروعها المختلفة ولا يصح ان يؤسس لحالة من الفراق بينهما، لكن الخلل حصل حينما لم يعزّز كل من الاتجاهين ما عنده بما عند الآخر، فلم تستفد الجامعات من علوم الحوزة وأخلاقها وآدابها وأبعادها المعنوية، ولم تستفد الحوزة العلمية من منهجية البحث الاكاديمية والعلوم التي تساعدهم على فهم موضوعات المسائل الشرعية، ومن الضروري لعمل الفقيه أن يحيط علماً بالموضوع قبل ان يستنبط حكمه الشرعي لذا ورد في الحديث الشريف (العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس) [3] فعلينا ان نطلّع ونثقف أنفسنا بكل ما يرتبط بوظيفتنا ويعيننا على القيام بمسؤولياتنا على أحسن وجه، حتى قيل ((عليك أن تقرأ كل شيء لتكون شيئاً)).

ولذا شهدت الحوزة العلمية عدة مشاريع إصلاحية لتجسيد هذه العلاقة كان منها منتدى النشر وكلية الفقه التي أسسها المرحوم الشيخ محمد رضا المظفر في خمسينيات القرن الماضي، وكذا في مشروع تشجيع خريجي الجامعات على الانضمام إلى الحوزة العلمية الذي دعا السيد الشهيد الصدر الأول (قدس) في سبعينيات القرن الماضي واجتذب نخبة من الشباب الرساليين ثم حوّله السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس) إلى مشروع واقعي من خلال جامعة الصدر الدينية، وعيننّي عميداً لها عام 1419 هـ / 1998 وكنّا ندرّس فيها ما يحتاج إليه الفقيه من الكيمياء والفيزياء والفسلجة والرياضيات وألفت في حينها كتاب (الرياضيات للفقيه) [4].

وكتب آخرون محاضرات في العلوم الأخرى وبعد سقوط صدام توسعت فروع هذه الجامعة إلى المحافظات وتأسس مشروع رديف لها للنساء باسم جامعة الزهراء (عليها السلام) حيث بلغت فروع كل منهما 24 فرعاً تضم آلاف الطلبة والطالبات بفضل الله تعالى.

كما أطلقنا مشروع الدورات الصيفية منذ عام 2001 التي تستضيف الطلبة الجامعيين خلال العطلة الصيفية في النجف الأشرف وتعطيهم دورات سريعة مكثفة في الفقه والعقائد والأخلاق والسيرة ليكونوا دعاة إلى الدين والهداية والصلاح في أوساط الجامعات من دون أن يرتدوا الزي الديني المتعارف ليكون لهم هامش حركة أوسع في هذا المجال وكانت هذه الخطوات الإصلاحية تقلق النظام الصدامي وعلى اثرها استدعوني عدة مرات إلى مديرية الأمن للاستجواب والتحذير.

ومحل الشاهد من هذه المقدمة الاشارة إلى أن توثيق الاواصر بين الحوزة العلمية والجامعات ليست ترفاً فكرياً وإنما هي حاجة ضرورية وملّحة ويتحمل الطرفان مسؤولية إِنجاحها.

لذا تصدى لها جمع من العلماء الواعين خلال العقود الماضية، وهذا الحوار بيننا يستهدف تحقيق هذه المقاربة بل التوأمة بين هذين الجناحين اللذين تطير بهما الأمة نحو الكمال والازدهار بإذن الله تعالى.

ثم فتح سماحته باب الحوار فطرح الحاضرون اسئلة متنوعة تعلّق أكثرها بالوضع العام والمشاكل التي تعانيها البلاد وأعطى سماحته صورة مجملة عن المقدمات والأسباب التي اوصلتنا إلى هذا الحال وانه قد شخصّها في وقت مبكر منذ عام 2006 وقدَّم الحلول (وهي منشورة في موسوعة خطاب المرحلة) الا ان المستفيدين من الوضع والمؤسسين له صمّوا آذانهم ولم يلتفتوا الا بعد (خراب البصرة).

وفيما يتعلق بموضوع الجلسة الحوارية فقد قدّم بعض الحاضرين عدة أسباب للفجوة بين الجامعات والمؤسسة الدينية منها:

1- الخطاب الديني لدى بعض الخطباء والمتحدثين الذي لا يرتقي إلى مستوى العصر ويعتمد الخرافات وتسطيح العقول.

2- ضعف الوازع الديني والأخلاقي لدى الكثير من الجامعيين.

3- فشل الكثير من الأحزاب الدينية التي تصدّت للسلطة.

[1] - حصل اللقاء مساء يوم الجمعة 26 / ذ ح / 1439 المصادف 7 / 9 / 2018

[2] - قرب الاسناد: 36، ح117، ثواب الأعمال: 223، بحار الأنوار: 74/351 ح 18

[3] - تحف العقول: 259 وقد شرحنا الحديث في خطاب سابق.

[4] - تضمنت مقدمة الكتاب بياناً للعلاقة الوثيقة بين الفقه والعلوم الآكاديمية.

العدد 185

معنى (يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا)

معنى (يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا) [1]

ورد في الحديث عن الامام الصادق (عليه السلام) (رحم الله شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بماء ولايتنا يحزنون لحزننا ويفرحون لفرحنا[2] .

أي ان شيعة أهل البيت (عليهم السلام) خلقهم الله تعالى مما فضل وتبقى من الطينة التي خلق الله تعالى منها أهل البيت (عليهم السلام) لذا فهم مرتبطون بأصلهم ومن علامات هذا الارتباط أن الشيعة يفرحون لفرح أهل البيت (عليهم السلام) ويحزنون لحزنهم.

وحينما يرد هذا الحديث فان المعنى الذي يسبق إلى الاذهان ان الشيعة يقيمون محافل الفرح والسرور وينشدون القصائد في مدائح أهل البيت (عليهم السلام) وذكر مناقبهم ويتبادلون التهاني في المناسبات المفرحة كيوم المولد النبوي والغدير وليلة النصف من شعبان، وانهم يقيمون مأتم الحزن والبكاء ويلطمون الصدور في المناسبات الحزينة كيوم عاشوراء والفاطمية وغيرها.

وهذا معنى صحيح الا انه يبقى مظهراً شكلياً اذا خلا من المضمون الحقيقي بالالتفات إلى ما يفرح أهل البيت (عليهم السلام) ويحزنهم فانهم يفرحون بطاعة الله تعالى وإقامة دينه العظيم والتزام الناس بتعاليمه وأحكامه وصلاح أمور الأمة، قال تعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس:58) وفي دعاء الامام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة (اللَّهُمَّ أَسْعِدْنِي بِتَقْوَاكَ‏  وَ لَا تُشْقِنِي بِمَعْصِيَتِكَ).

ويحزن أهل البيت (عليهم السلام) اذا عصي الله تعالى وابتعد الناس عن الدين ولم يعملوا بأحكام الله تعالى في حياتهم، كما في دعاء الامام السجاد (عليه السلام) يوم الخميس (وَ لَا تَفْجَعْنِي فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ بِارْتِكَابِ الْمَحَارِمِ وَاكْتِسَابِ الْمَآثِمِ) فهو يعتبر الوقوع في الذنب والمعصية فجيعة.

فاذا أردنا أن نختبر صدق ولايتنا لأهل البيت (عليهم السلام) فلابد أن نجد في أنفسنا الفرح والسرور عندما يتحقق ما يفرح أهل البيت (عليهم السلام) كأن نرى المساجد ممتلئة بالمصلين، والناس تسارع إلى فعل الخير ومساعدة المحتاجين، وأولياء الأمور يقومون بمسؤولياتهم على أحسن وجه في إصلاح أحوال الناس، وحينما نسمع بأخبار انتصار الايمان على الكفر والفسق واقامة العدل والإحسان.

ونحزن ونتألم اذا رأينا أحداً غير ملتزم بالصلاة أو ينشغل عنها ببعض أمور اللهو و اللعب أو لا يبرمج أوقاته على أساس مراعاة أداء الصلاة في وقتها، أو نجد امرأة غير محجبة أو داراً للفسق والفجور أو وقوع ظلم على أحدٍ أو إهانة أحد وإذلاله أو استئثاراً بثروات الشعب واستخفافاً بحرمته وامتهاناً لكرامة الإنسان، لذا ترى أمير المؤمنين (عليه السلام) يتمنى الموت عند وقوع شيء من هذا الظلم من جيش معاوية في غاراته على حدود العراق، قال (عليه السلام) (... ولَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ، عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ والأُخْرَى الْمُعَاهِدَةِ، فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وقُلُبَهَا وقَلَائِدَهَا ورُعُثَهَا، مَا تَمْتَنِعُ مِنْه إِلَّا بِالِاسْتِرْجَاعِ والِاسْتِرْحَامِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ، مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُمْ كَلْمٌ ولَا أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ، فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً، مَا كَانَ بِه مَلُوماً بَلْ كَانَ بِه عِنْدِي جَدِيراً[3] .

فهذه حقيقة ما يفرح الأمة ويحزنهم، وفي هذا المعنى وردت أحاديث شريفة كقول الامام الصادق (عليه السلام) (فان الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق في الحديث وادى الأمانة وحسن خلقه مع الناس، قيل هذا جعفري فيسرني ذلك فيدخل علي منه السرور، وقيل هذا أدب جعفر واذا كان غير ذلك دخل عليّ بلاءه وعاره وقيل هذا أدب جعفر) [4] وفي رواية موثقة عن سماعة عن الامام الصادق (عليه السلام) قال (سمعته يقول: مالكم تسوؤن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال له رجل: كيف نسوؤه؟ فقال (عليه السلام): اما تعلمون ان اعمالكم تعرض عليه، فاذا رأى فيها معصية ساءه ذلك، فلا تسوؤا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسُرُّوه) [5] .

وإنما اكتسبت هذه الصفة من الفرح والحزن أهميتها لأن المشاعر والعواطف محرّكة للإنسان فالفرح يحفِّزه على المواصلة والازدياد أما الحزن فيدعوه إلى التوقف والمراجعة.

ولذا تجد المؤمن الموالي حقاً يحزن إذا فاتته صلاة الصبح في وقتها أو صلاة الليل أو صوم يوم مستحب ويحاسب نفسه ويبحث عن السبب الذي من أجله حُرم من هذه الطاعة المقرّبة إلى الله تعالى عن الامام الصادق (عليه السلام) قال (إن الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل...[6] ويتألم اذا تلكأ في اغتنام فرصة لعمل الخير والمعروف أو أضاع شيئاً من وقته في غير ما يرضي الله تبارك وتعالى.

ألم تسمعوا من خطباء المنبر كيف فرح الامام الحسين (عليه السلام) لما قال له أحد أصحابه (أبو ثمامة عمرو بن عبد اللَّه الصائدي قال للحسين عليه السلام: يا أبا عبد اللَّه نفسي لك الفدا، إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا واللَّه لا تُقتل حتى أُقتل دونك إن شاء اللَّه، وأحب أن ألقى ربي وقد صليت هذه الصلاة التي دنا وقتها. فرفع الحسين عليه السلام رأسه ثم قال: ذكرت الصلاة جعلك اللَّه من المصلين الذاكرين! نعم هذا أول وقتها. ثم قال: سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي. فقال لهم الحصين بن تميم: إنها لا تقبل. فقال له حبيب بن مظاهر: زعمت أن الصلاة من آل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لا تقبل وتقبل منك يا حمار؟!.[7] فجزاه الامام خيراً وفرح بهذه الالتفاتة لما يحب الله ويرضاه وهم وسط تلك المعركة الرهيبة التي خاضها العدو بكل وحشية وهمجية وقسوة.

[1] - من حديث سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) مع جمع من شباب بغداد/منطقة التاجي يوم السبت 5/ محرم /1440 المصادف 15 / 9 / 2018

[2] - بحار الأنوار: 53/303

 [3] - نهج البلاغة، الخطبة: 27، ص70

[4] - وسائل الشيعة / كتاب الحج / أبواب احكام العشرة في السفر/ الباب 1/ ج2

[5] - الكافي: 1/171 ، ح 3

[6] - وسائل الشيعة: ج 15/ ص 302، الباب 40 من جهاد النفس

[7] - كتب الطبري في تاريخه والخوارزمي في المقتل، وورد في الكامل في التاريخ والعوالم وأعيان الشيعة:

العدد 185

فان الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا

فان الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا [1]

روى ابو الصلت الهروي : قال (سمعت ابا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: رحم الله عبدا احيا امرنا، فقلت له: كيف يحيى امركم، قال يتعلم علومنا ويعلّمها الناس فان الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا) [2].

وكأن السؤال يأتي شرحاً لحديث سابق عن الامام الصادق (عليه السلام) حيث سأل الفضيل (يا فضيل أتجلسون وتحدثون، قال: نعم جعلت فداك، قال: إن تلك المجالس أحبّها فأحيوا أمرنا يا فضيل فرحم الله من أحيا أمرنا) [3] .

وفي الحديث نكات عديدة:

1-               إن إحياء أمرهم (عليهم السلام) موجب للرحمة الالهية التي نتوق إليها جميعاً.

2-      إن إحياء أمرهم لا يتحقق بمجرد إقامة المظاهر الشعائرية وإن الغرض من المجالس لا يحصل الا عندما تكون وسيلة لإيصال المضمون الحقيقي لرسالتهم (سلام الله عليهم) (ويعلمها للناس).

3-      يجب ان يسبق ذلك التزود بعلومهم واخلاقهم والاطلاع على سيرتهم واقوالهم المباركة، وأعظم مصدر لعلومهم هو القرآن الكريم فيجب الاهتمام به تلاوة وتدبّراً ومعرفة.

4-      ان النتيجة (وهي اتباع الناس لأهل البيت (عليهم السلام) ستتحقق حتماً اذا وصل الى الناس كلام اهل البيت كما هو في حسنه و روعته وانسانيته وما علينا الا ايصال محاسن كلامهم (عليهم السلام) إلى الناس فان الامام (عليه السلام) ارسل العلاقة هذه كحقيقة مسلَّمة.

5-      ان المطلوب منّا أن نوصل كلامهم (عليهم السلام) كما هو من دون زيادة أو نقص من عندنا نتصور اننا نحسن بذلك فما يبتدعه البعض من كلام أو فعل أو عادات أو طقوس متوهماً خدمة قضية أهل البيت (عليهم السلام) غير مشمولة بهذا التوجيه.  

6-      ان رسالتهم عالمية للناس جميعا ولا تختص بالمسلمين او الشيعة فأنه (عليه السلام) قال (فان الناس) على نهج جدهم المصطفى 7(صلى الله عليه واله وسلم) {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء : 107] {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] و هذا ما نقّر به عند زياره الامام الحسين (عليه السلام ) و بيان الهدف من نهضته المباركة( وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيره الضلالة) [4].

 

 

[1] - من حديث سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) مع جماعة فضلاء محافظة واسط وعدد من الوفود الشبابية والطلابية من الناصرية والرفاعي والعمارة ومدرسة دينية من كربلاء وأخرى قرآنية من المدائن يوم السبت 27 / ذ ح / 1439 المصادف 8 / 9 / 2018.

[2] - عيون اخبار الرضا: 1/275 باب 28ح 69، معاني الاخبار: 180

[3] - قرب الاسناد: 36، ح 117، ثواب الاعمال: 223، بحار الأنوار: 74 / 351 ح 18

[4] - مفاتيح الجنان : 773 زيارة الاربعين

Scroll

العدد 185

المرجع اليعقوبي: العمل على حل مشكلة مياه البصرة من أعظم الشعائر الدينية

المرجع اليعقوبي: العمل على حل مشكلة مياه البصرة من أعظم الشعائر الدينية

الجمعة 19 ذو الحجة 1439

الموافق 31/8/2018

اعتبر سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) العمل على حل مشكلة المياه في البصرة وتوفير المياه الصالحة للشرب وسائر الاستعمالات البشرية من أعظم الشعائر الدينية التي نحيي بها عيد الغدير الاغر الذي أسّس فيه النبي (صلى الله عليه واله وسلم) لإقامة صرح العدالة الاجتماعية وحقوق الانسان، ونستقبل بها شهر محرم الحرام ونحيي بها ذكرى الامام الحسين (عليه السلام) الذي ضحى بنفسه الشريفة وبأهل بيته الكرام من اجل ان ينقذ البشرية من معاناتها ويغيّر حالها الى أحسن حال.

ووجه [1] سماحته الفنيين والاكاديميين المختصين في هذا المجال ورجال الاعمال لوضع الخطط والمشاريع الكفيلة بالإنقاذ العاجل للبصرة وأهلها من هذه الكارثة المروّعة وعدم التعويل على الجهد الحكومي وحده وان تكون هذه الحلول على المستوى الآني والاستراتيجي.

وأفاد سماحته في بيان صدر منه ان المساهمة في هذه الحملة من أعظم القربات الى الله تعالى وان هذا العمل واجب وطني وانساني ولا يحلّ لمن يقدر على ان يقدّم شيئاً القعود عنه واللامبالاة.

وألزم سماحته في ختام البيان مؤسسات المرجعية كافة ببذل الوسع مادياً ومعنوياً لإنجاز هذا الجهد المبارك، وان الخروج في مظاهرات وملئ الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي غير كافية فقد وصل صوت المعاناة الى الجميع لو يجد آذاناً صاغية، وانما علينا ان نشمّر عن ساعد الجد لتوفير السعادة والحياة الكريمة لشعبنا المحروم.

[1] - تشكلّت على الفور خلية موسعة لمعالجة الأزمة ووزعت خزانات كبيرة على المناطق المحرومة تملأها سيارات حوضية بالماء الصافي الحلو باستمرار، كما توجهت اللجنة إلى محطات الضخ والتحلية في مختلف المناطق لسدّ نواقصها من المضخات والآلات ومواد التصفية والتحلية وسائر الاحتياجات الأخرى، كما تنادت عدة جهات للقيام بمثل هذه الاعمال.

العدد 185

أسعد الناس في حياته

بسمه تعالى

أسعد الناس في حياته [1]

روى علي بن شعيب قال (دخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فقال لي: يا علي من أحسن الناس معاشاً؟ فقلت: أنت يا سيدي أعلم به مني، فقال (عليه السلام) : يا علي من حُسن معاش غيره في معاشه، يا علي من أسوأ الناس معاشاً؟ قلت أنت أعلم، فقال (عليه السلام) : من لم يعيِّش غيره في معاشه) [2] .

حينما يريد الائمة (عليهم السلام) إيصال معنى مهم إلى الأمة فأنهم لا ينتظرون من يسألهم عنه وإنما يبتدئون الناس بالمسألة كما في هذه الرواية حيث يعرض الامام الرضا (عليه السلام) أمراً مهماً يبحث عنه كل الناس وهو كيف يكون الإنسان سعيداً بل يكون أسعد الناس وأحسنهم حياة مليئة بالاطمئنان والراحة.

فيجيب الامام (عليه السلام) انه من كانت حياته سبباً لإسعاد الآخرين وان الناس يكونون في حالة حسنة بوجوده واضرب أمثلة لتوضيح الفكرة، ولنبدأ من داخل الأسرة فعندما يكون الأب رحيماً شفيقاً شفافاً متواضعاً حريصاً على توفير ما يحتاجه أفراد الأسرة ويعتني بتربيتهم وتثقيفهم ويعينهم على النجاح والتفوق في حياتهم ويجعل لهم شأناً كبيراً في المجتمع فأنه يكون من أحسن الناس معاشاً، واذا كان فظاً غليظاً قاسياً مستكبراً بخيلاً متأمراً على أفراد اسرته ويهينهم ولا يحترمهم أمام الآخرين ويجعلهم أدوات لنزعاته واهوائه المريضة بحيث تكون حياتهم نكدة في وجوده فأنه يكون من أسوأ الناس معاشاً.

والمثال الثاني المعلّم الذي يتفانى في تدريس طلابه وتفهيمهم ويتفقدهم ويسأل عن أحوالهم ويساعدهم على تحقيق آمالهم وطموحاتهم ويحرص على تهذيب أخلاقهم وتربيتهم الصالحة ويكون كالأب الرحيم الشفيق فأنه يكون سعيداً في حياته، ويكون عكس ذلك لو قصّر في أداء واجبه التعليمي والأخلاقي وأهمل الطلبة وادّى بهم إلى الفشل.

والمثال الآخر رجال الاعمال فان منهم من يجعل همه توفير فرص العمل للناس ليعيشوا بكرامة ويغدق على العاملين ويفرحهم ويحسن اليهم ويتغافل عن اخطائهم ويقدر جهودهم ويؤهلهم ليكونوا هم رجال أعمال مستقلين ولا يخشى من منافستهم، واذا عرض عليه مشروعان أحدهما فيه ربح أقل الا أنه يشغّل عمالاً أكثر والآخر بالعكس اختار الأول لأنه يفكر بالناس أكثر من تفكيره بنفسه، فهذا يكون من أحسن الناس معاشاً. وآخر يقتصر في تفكيره على زيادة ثروته فيقتّر على العاملين ولا يعطيهم الأجور التي يستحقونها ولا يكافئهم على جهودهم ويسرِّح العاملين دون التفكير في مصيره وعائلته.

وهكذا ننتقل بالأمثلة إلى ان نصل إلى الزعماء السياسيين فمنهم من يكون غاية همه إسعاد الناس وتحقيق العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان وتحسين أحوال العباد والبلاد لتكون مزدهرة ومتحضّرة فيتنعم الناس بوجوده ويدعون له فيكون من أحسن الناس معاشاً، بينما يتخذ بعض آخر موقعه في السلطة غنيمة لجني المكاسب الشخصية ويستبّد بالأمور ولا يفكّر بأحوال الناس ولا يهتم بمعاناتهم وضياع حقوقهم وحرمانهم من أبسط الحقوق المعاشية فأن هذا من أسوأ الناس معاشاً.

ثم نصل بالأمثلة إلى علماء الدين فإن منهم من يكرّس نفسه لهداية الناس وإصلاحهم وإرشادهم وتوجيههم وتعليمهم احكام الدين وقضاء حوائجهم ويدافع عن حقوقهم في نيل حياة حرة كريمة حتى انه يضحّي بنفسه على هذا الطريق ذي الشوكة فهذا من أحسن الناس معاشاً، وآخر يهتم بمصالح نفسه وتعظيم خزائنه وبسط نفوذه وهيمنته بلباس الدين الذي ارتداه ليضفي على نفسه القداسة ولا يرى الناس الا جسراً لتحقيق مآربه فيقدمهم قرابين لأنانيته وليس لهم عنده الا التقديس والخضوع والمسارعة إلى تنفيذ ما يريد فهذا من أسوأ الناس معاشاً.

وقد تقول إننا نرى هذه الأمثلة معكوسة على أرض الواقع فكم من مخادع ماكر أناني فاسد متنصل عن مسؤوليته يعيش في رغد وترف، وجوابه ان هذه على مستوى المظاهر فقط اما في حقيقته فهو لا يخرج عمّا ذكرناه لذا تجد أكثر نسب الانتحار والأمراض النفسية لدى شعوب الدول المترفة، وان كان في غفلة عن هذا فسوف تنكشف له الحقائق في الآخرة ويرى الحال السيئ الذي هو فيه.

والخلاصة ان علينا ان نكون سبباً لخير الناس وسعادتهم وتحسين معاشهم بأوسع صورة ممكنة والله هو المتفضل المنّان.

[1] - تقرير لحديث سماحة المرجع الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) مع جمع من الشباب والزوار يوم الثلاثاء 16 / ذ ح / 1439 الموافق 28 / 8 / 2018

[2] - تحف العقول: 329 ، بحار الأنوار: 78/341

العدد 183

المؤسسات الخيرية بين الواقع والطموح

بسمه تعالى 

المؤسسات الخيرية بين الواقع والطموح [1]

لقد حثّت الشريعة المقدسة كثيراً من خلال الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة على الانفاق في سبيل الله ومساعدة المحتاجين وبذل المعروف ووعد تعالى بمضاعفة الجزاء اضعافاً كثيرة لمن قام بشيء من ذلك كقوله تعالى (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ) (البقرة:261) وقوله تعالى (إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) (التغابن:17).

والله تعالى يعلم انه ليس كل الناس عندهم من المال ما يكفي للقيام بهذا العمل ومقتضى كرمه وعدله منح فرص متساوية لجميع الناس فلكي لا يحرم هؤلاء من هذه الفرص العظيمة للطاعة فقد جعل نفس أجر الانفاق لمن يتوسط في إيصال المال من المنفق إلى المحتاج ففي الحديث الشريف (لو جرى ثواب المعروف على ثمانين كفاً لأوجروا كلهم، من غير أن ينقص من صاحبه من أجره شيئاً) [2] .

وهذا العمل الكبير هو عين ما تقوم به المنظمات الإنسانية والخيرية والمتطوعون النبلاء، وقد لا يتمكن الميسورون مالياً من توزيع المساعدات وايصالها إلى مستحقيها والتأكد من كون الشخص مستحقاً أصلاً لانشغالهم بتعقيدات السوق وتفاصيل عملهم فأنتم تقدمون لهم خدمة كبيرة بوضع البر في موضعه وتعريف المنفقين على المستحقين.

لذا فدوركم كبير لأنكم أنتم من تبحثون عن المستحقين وتحققون في احوالهم وتقصدون الميسورين وتعرضون الحوائج عليهم ثم تعودون بما يجود به هؤلاء لتوصلوه إلى مستحقيه، لذا فأنكم تستحقون الثواب الجزيل الذي وعدت به الاحاديث الشريفة.

وتقدّم لي مؤسسة فيض الزهراء (عليه السلام) الخيرية تقريرها الشهري عن نشاطاتها في تقديم المساعدات النقدية والعينية لآلاف المحتاجين وهو عمل واسع ويقوم عليه عدد كبير من ذوي الشهامة والنفوس الكبيرة رغم مشاغلهم الكثيرة في شؤونهم العائلية والاجتماعية.

إنّ هذا الجانب الإيجابي من سعة عملكم يستبطن واقعاً مؤلماً وهو كثرة المحتاجين والارامل والايتام في بلد لا ينقصه شيء من الثروات التي تغني أهله، ويزخر بالكفاءات القادرة على النهوض وتوفير الحياة الكريمة، لكن اسباباً عديدة لا تخفى عليكم أوصلتنا إلى هذا الحال.

اننا نأمل ان تتحول هذه المؤسسات الخيرية والإنسانية إلى شركات اعمار وبناء وازدهار وإنتاج لأنها تمتلك الإخلاص والهمم العالية والخبرة الميدانية والمصداقية وثقة الناس بهم وفيها كفاءات متنوعة فليكن في المؤسسة قسم للتخطيط الاستراتيجي والموارد البشرية والاعمال الفنية فيتحول المحتاجون من مستهلكين إلى منتجين ومساهمين في هذه الحركة التنموية المباركة.

وقد القيت قبل مدة خطاباً [3] عن تنشيط القطاع الخاص وذكرت شواهد من سيرة الائمة (عليهم السلام) في دعم هذه الحركة وتشجيع اتباعهم عليها مما يغنيهم عن الانخراط في اعمال السلطة الظالمة.

ومن الطريف أن أذكر ان بعض الأخوة يشفقون على حالي لما يروني اناقش البعض في هذه التفاصيل وأقوِّم الاعمال وأقدم النصائح والتوجيهات وهي لا تناسب هموم المرجعية ومسؤولياتها فأجيبهم بأن الحديث الشريف يقول (عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله[4] وانا عيالي ليست عائلتي الخاصة فقط بل كل هؤلاء المحتاجين إلى المساعدة جاعلين نصب أعيننا الحديث القدسي (الخلق عيالي فاحّبهم إليَّ أشفقهم على عيالي[5] فالكدّ عليهم والسعي لقضاء حوائجهم جهاد في سبيل الله تعالى، وقد تتوفر لي فرصة لا تتاح لأحد لوجود جاه وتأثير ممكن استثماره لعمل المعروف.

مضافاً إلى الحديث الشريف (عن النبي صلى الله عليه وآله إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها صلاة ولا صدقة، قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله فما يكفرها؟ قال: الهموم في طلب المعيشة[6] فليكن همنا لا يقتصر على توفير المعيشة لأفراد العائلة الخاصة بل لكل الناس المحتاجين.

إن كل ما تقدموه هو صدقة جارية في ميزان اعمالكم (كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) (إبراهيم:24-25) وكلما تنمو وتزدهر فأنها تسجل في رصيدكم حسنات جديدة كما لو زوّجتم شابين متعففين فأنجبا ثم كبرت ذريتهم وتزوجوا وأنجبوا وهكذا إلى أن يكون منهم في عصر الظهور الميمون عدد كبير من أنصار الامام (عليه السلام) وكلهم من بركة سعيكم اليوم.

[1] - من حديث سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) مع إدارة ومعتمدي مؤسسة فيض الزهراء (عليها السلام) الخيرية في مدن العراق في ختام دورة تطويرية في الإدارة الناجحة، شارك فيها حوالي 130 معتمد، واستقبلهم سماحة الشيخ يوم السبت 30 شوال 1439 المصادف 14 / 7 / 2018

[2] - ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 2 – ص 1603 ، ثواب الأعمال: ١٧٠ / ١٤.

[3] - خطاب المرحلة: ج 6 / ص 25

[4] - الكافي - الشيخ الكليني - ج ٥ - ص ٨٨

[5] - دعائم الإسلام ج2 ص320 ح1207. وشرح نهج البلاغة: ج20 ص340 الرقم 893

[6] - بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٧٠ - ص ١٥٧

العدد 183

لابد أن يقترن نشاط الشباب وقوتهم بالهدفية

بسمه تعالى

لابد أن يقترن نشاط الشباب وقوتهم بالهدفية [1]


يتميز الشباب بالنشاط والحيوية والقوة وهذه من نعم الله تعالى عليهم وعلى الأمة جميعاً لأنهم القلب النابض في جسد الأمة، لكن هذه الأمور وحدها لا تكون مثمرة الا اذا اقترنت بالهدفية، ومن دون ذلك تكون أفعال الشباب عبثية لا نفع فيها كقضاء ساعات عديدة في الألعاب، بل قد يصرفون طاقاتهم في أفعال مضرّة لهم وللأمة جميعاً كالعصابات المسلحة ومافيات المخدرات والجماعات المنحرفة في العقيدة او السلوك.

وقد لا يلتفت الشاب إلى انه سائر على غير هدى ولا بالاتجاه الصحيح حتى تتراكم عليه الأخطاء والخطايا وتحجبه عن التوفيق والرجوع الى الصواب، وقد يندم حيث لا ينفعه الندم فلابد من مراعاة الهدفية وتحقيق الغرض المطلوب من النشاط والقوة والالتفات إلى ذلك مبكّراً.

لذا تجد الامام السجاد (عليه السلام) لا يكتفي بطلبهما فقط وانما يطلب من الله تعالى أن يضعهما على الاتجاه الصحيح، فمن دعائه (عليه السلام) ليوم الأربعاء (اللهم اجعل قوتي في طاعتك ونشاطي في عبادتك) مع الالتفات إلى ان طاعة الله تعالى وعبادته لا تقتصر على العبادات المعروفة كالصلاة والصوم ونحوها بل تشمل كل عمل خير وبر واحسان فيه نفع للآخرين حتى الرفق بالحيوان.

ولعل من افضل امثلتها بالنسبة لكم هي هداية الآخرين وارشادهم فكم من الشباب وقعوا ضحية تزيين الشيطان وأصدقاء السوء واغراءات الشهوة فتركوا الطريق الصحيح، فالعمل على إعادة هؤلاء إلى الدين والأخلاق الفاضلة من اعظم الطاعات ففي رواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (قال أمير المؤمنين عليه السلام: بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن وقال لي: يا علي لا تقاتلن أحداً حتى تدعوه، وأيم الله لان يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت، ولك ولاؤه يا علي)[2] .

او مدّ يد المساعدة والرعاية لهم فتحلّ مشاكلهم أو توجد لهم فرص عمل أو تزوّجهم فهذه كلها طاعات عظيمة تقرّب إلى الله تعالى، والرساليون هذا ديدنهم فأنهم لا يكتفون بنفع أنفسهم بل يعملون على الارتقاء بالآخرين وتحسين أوضاعهم.

إن الهدفية لا تمنع من تخصيص بعض الوقت للترويح عن النفس بعد أداء الواجبات المطلوبة بنزهة أو ممارسة الرياضة أو مشاهدة فعالية ممتعة ضمن مدة زمنية لا تخرج الفعل عن عنوان الترويح عن النفس إلى عنوان العبثية وتضييع الوقت كمن يمضي ساعات في مشاهدة مباريات بكرة القدم، بينما تكفيه ربع ساعة أو نصف ساعة للترويح عن النفس وتجديد النشاط.

والهدفية تكتمل عبر عدة مراحل:

1- التخطيط الجيد قبل الفعل ووضع البرنامج الصحيح لضمان الوصول إلى الهدف كالتفوق في الدراسة أو انجاز أي عمل مثمر آخر.

2- التنفيذ الحسن ومراقبة مسيره وفق البرنامج المعدّ له.

3- المراجعة والمحاسبة بعد الفعل والتأكد من سلامة أدائه.

فادعوا الأحبة الشباب إلى تنظيم حياتهم على أسس صحيحة وان يساعدوا اقرانهم على ذلك ويستنقذوهم من الضياع وان يوظفوا طاقاتهم لما فيه خير الاسرة والمجتمع وفيه صلاح للدين والدنيا بتوفيق الله تعالى.

 

[1] - من حديث سماحة المرجع الديني الشيخ اليعقوبي (دام ظله) مع حشد من الشباب يوم الأحد 24/ شوال / 1439 المصادف 8/7/ 2018

[2] - فروع الكافى: 335

العدد 183

بالإرادة يمكن تغيير العادة

بسمه تعالى

بالإرادة يمكن تغيير العادة [1]

توجد أمثال يتداولها الناس تشكّل خطورة على تفكيرهم وسلوكهم وتؤثر في عقلهم الباطن ويرددونها ويتمسكون بها من دون أن يعوا خطورتها، مثلاً قولهم (من شبَّ على شيء شاب عليه) ومثله (العادة التي في البدن لا يغيّرها الا الكفن) وترى كثيراً ممن يُطالب بإصلاح عادة جرى عليها أو يراد تغيير حالات وتقاليد اجتماعية متوارثة فيجابّه بهذه الامثال وكأنها أدلة وحجج دامغة ذات مصداقية لترك هذه المحاولات.

وهنا تكمن خطورة مثل هذه الامثال لأنها تتحول إلى مبررات للعجز والتكاسل والاستسلام للعادة من دون محاولة لمعالجتها، بل تتحول إلى سلاح بيد من يريد أن يرسخ هذه العادات في سلوك الفرد أو المجتمع.

وفي الحقيقة فإن هذه الامثال باطلة بدليل ان الله تعالى بعث الأنبياء والرسل وانزل الشرائع السماوية لتغيير الانسان وإصلاحه وتهذيب نفسه وسلوكه ولو كانت هذه الامثال صادقة لانعدمت الفرصة لأي عمل تغييري، وإن كل العقلاء يستنكرون هذه الامثال لأن كل الأمم تضع برامج للتربية والتعليم وتحسين الاخلاق وهذا يعني إمكانية تغيير ما اعتاد عليه الانسان.

خذ مثلاً شهر رمضان الذي انقضى قبل عدة أسابيع فأنه يغيِّر ما اعتاد عليه الانسان خلال أحد عشر شهراً من نمط غذائي أو حياتي وما إن يحل هذا الشهر الكريم حتى يمتنع الانسان من الأمور المحلّلة التي كانت مباحة له طاعة لأمر الله تعالى فيستجيب لهذا الأمر بلا أي كلفة ولا مقدمات طويلة.

وهكذا ترى شخصاً قد اعتاد على التدخين خمسين سنة مثلاً ثم ينهاه الطبيب عنه فتراه يمتنع مباشرة، أو شخصاً يسرف في المأكولات فازداد وزنه إلى درجة مضرّة بصحته فيُطالب بتقليل الوزن ويوضع له نظام غذائي صارم فيغيّر عادته مباشرة ويلتزم بهذا النظام وهكذا.

وكل ما يحتاجه الانسان هو العزم والإرادة لإحداث التغيير وحينئذٍ سيعينه الله تعالى وييسّر له ويحقق نتائج مذهلة لا يتوقعها فبعض الشباب يشتكي من ابتلائه بعادة سيئة كالنظر إلى النساء ويظّن انه غير قادر على تجاوز هذه الحالة، لكنه لما اقتنع بخطأ هذا الفعل وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة تولد عنده عزم على الترك وإرادة قوية للتغيير ونقصد بكلامنا طبعاً تغير العادة السيئة، اما العمل الصالح فيحث الشارع المقدس على المواظبة عليه والالتزام به وإن لم يكن واجباً، ففي حديث عن الامام الصادق (عليه السلام) قال (لا يقضي شيئاً من صوم التطوع الا الثلاثة أيام التي كان يصومها في كل شهر، ولا يجعلها بمنزلة الواجب الا أني أحبّ لك أن تدوم على العمل الصالح) [2] .

وهكذا ورد في صلاة الليل فأنه يستحب لمن فاتته قضاؤها في اليوم التالي كالواجبة لأجل أن يسجَّل في المداومين عليها فيبعثه الله مقاماً محموداً.

[1] - من حديث سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) مع حشد من طلبة السادس العلمي الذين استفادوا من مبادرة سماحته بفتح كافة الجوامع والحسينيات والمكاتب والمؤسسات لاستضافتهم وخدمتهم خلال استعدادهم للامتحانات العامة وتوفير أسباب الراحة لهم فجاءت هذه المجموعة من الكوت لتقديم الشكر لسماحته يوم الخميس 5 / ذو القعدة / 1439 المصادف 19 / 7 / 2018.

[2] - وسائل الشيعة: 10/223، أبواب من يصح الصوم منه، باب 21 ح 2

العدد 183

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً -أهم قضايانا: أن نستحضر الله تعالى في وجداننا

بسم الله الرحمن الرحيم

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً) (الأحزاب:41)

أهم قضايانا: أن نستحضر الله تعالى في وجداننا [1]

من أهم الأهداف التي نسعى إليها والقضايا التي يجب أن نهتم بها ونكرس لها اوقاتنا هي كيف نجعل الله تعالى حاضراً في وجداننا وتنبض به قلوبنا ونصدِّق فعلاً أنه شاهد علينا ولا نغيب عن نظره سبحانه وهي الحالة التي أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) أبا ذر (رضوان الله تعالى عليه) بالوصول إليها (يا أبا ذر اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

أما أن نؤمن به تعالى نظرياً وفي عقولنا واذهاننا فهذا وحده لا يكفي، لذلك تجد نبي الله تعالى إبراهيم (عليه السلام) يطلب هذا الاطمئنان القلبي من الله تعالى رغم إيمانه العقلي التام (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة:260).

والشاهد على عدم كفاية الايمان العقلي وحده انك تجد الكثيرين ممن يحملون هذا المستوى من الاعتقاد لكنه لا ينعكس على سلوكهم وتعاملاتهم واخلاقهم فهم يتبعون أهوائهم وعصبياتهم وتحزّباتهم ويطيعون سادتهم وكبراءهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

ينقل عن أحد مراجع الدين وهو من أهل المعرفة (قدس الله نفسه) أنه سأل الحاضرين لديه: هل حقاً توجد جنة ونار وحساب؟ فقالوا له: مثلك من يسأل هذا السؤال وقد تعلمنا العقائد الحقة منك؟ فبيّن وجه السؤال وحاصله أنني لا أرى لهذا الاعتقاد أثراً في حياة الناس حتى بدا كأنه وهم وليس حقيقة وهذا وجه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت[2]  لأن الجميع متيقنون من ملاقاة الموت عاجلاً أو آجلاً لكن لا أحد يظهر على عمله الاستعداد لهذا الآتي الا القليل.

ولذا تجد الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة تركز على الاكثار من ذكر الله تعالى والمواظبة عليه وعدم الغفلة عنه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً) (الأحزاب:41) وليس المطلوب منه مجرد تحريك اللسان وانما استشعار كوننا بمحضر من الله تبارك وتعالى وانه شاهد علينا وناظر الينا في جميع احوالنا من السر والعلن وأنه وحده تعالى المؤثر في الخلق ولا تعمل الأسباب الاخرى الا بإذنه، وما يترتب على هذا الحضور من آثار المراقبة وإحسان العمل واجتناب المعاصي والذنوب والتوكل عليه وحده والطلب منه وتعلق الآمال به بفضل الله تعالى وكرمه.

إن ذكر الله تعالى يمكن أن يكون من خلال إثارة جوانب عديدة بحسب اسمائه الحسنى فيمكن ان تتناوله من جهة عظمة الله تعالى ببيان عظمة خلقه أو تناوله من جهة حكمة الله تعالى ببيان لطيف صنعه أو تناوله من جهة كرم الله تعالى ورحمته ببيان سعتهما أو تناوله من جهة حلمه ومغفرته وعفوه وهكذا، بلحاظ سائر الأسماء الحسنى، وهذا التنوع يكون بلحاظ استحقاق الشخص ومحط اهتمامه والباب الذي تدخل منه إلى قلبه، فقد يكون عالماً مادياً تريد هدايته أو شاباً مذنباً أو جاهلاً ساذجاً، أو مغتراً بالدنيا وغير ذلك من الحالات، فلكل واحد منهم ما يناسبه من الخطاب.

ولعل  الاجدى والأكثر تأثيراً في هذا المجال تحبيب الله تعالى إلى القلوب وقد ذكرت الروايات لمن يعمل على ذلك أجراً عظيماً فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله (إني لأعرف ناساً ما هم انبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بمنزلتهم يوم القيامة: الذين يحبّون الله ويحببّونه إلى خلقه، يأمرونهم بطاعة الله فاذا أطاعوا الله أحبهم الله) [3] .

وقد ذكرنا في خطاب سابق [4] عدة أساليب لتحبيب الله تعالى إلى خلقه منها تذكيرهم بنعمه تبارك وتعالى، روي عن الامام الباقر (عليه السلام) أنه قال (أوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام) أحبَّني وحببّني إلى خلقي، قال موسى (عليه السلام) يا رب إنك لتعلم أنه ليس أحدٌ أحبَّ إليَّ منك فكيف لي بقلوب العباد؟ فأوحى الله إليه: فذّكرهم نعمتي وآلائي فأنهم لا يذكرون مني الا خيرا) [5].

لقد كان المرجع الشهيد السيد محمد الصدر (قدس الله نفسه الزكية) مهتماً بهذه القضية ايَّما اهتمام وعندما أقام صلاة الجمعة المباركة انتقد صريحاً الطريقة السائدة لدى الخطباء والمتحدثين من الابتداء بسطر واحد فقط يضم الحمدلله تعالى والصلاة على النبي وآله ثم الدخول في سائر المواضيع الدينية، وكان يعتقد بلزوم تخصيص حصة كافية لذلك فكان يبتدئ بمقطع من الادعية الشريفة التي تعمّق هذا الايمان في قلوبنا ووجداننا.

ومن يتأمل في رسائله المنشورة في كتاب (قناديل العارفين) يجد هذا المعنى حاضراً والتأكيد على الذكر القلبي أكثر من اللساني، وذكر صوراً للذكر القلبي منها ((التفكير في شأن الفرد أمام خالقه من القصور والجهل والذنب والتقصير وحسن الظن به تبارك وتعالى وكونه محل لطفه وتعمه سبحانه ونحو ذلك)) [6] .

أيها الأحبة: إن احياء هذا التفاعل الوجداني والعملي مع الله تبارك وتعالى هو أهم قضية في حياتنا وهو مفتاح السعادة والخير وبه صلاح الأمة ونجاتها مضافاً إلى ما ورد في الرواية السابقة من المنزلة العظيمة فلا تقصروا فيه وهي مسؤولية الجميع خصوصاً الخطباء والمبلغَّين والكتّاب والمثقفين والمتحدثين، ولا ثمرة في أي عملية إصلاحية مالم تستند على هذا الأساس الوثيق. اعاننا الله تعالى على طاعته ووفقنا لما يحب ويرضى إنه ولي النعم.

[1] - الخطبة الموحدة لصلاة الجمعة في عموم المحافظات يوم 29 / شوال / 1439 المصادف 13 / 7 / 2018 كتبها سماحة المرجع اليعقوبي (دام ظله) بمناسبة الذكرى العشرين لاستشهاد المرجع الديني السيد محمد محمد صادق الصدر (قدس) وتحدث سماحته بمضمونها في لقائه جمعاً من أساتذة الحوزة العلمية في بيروت يوم الخميس 28 / شوال ومع جمع من المبلّغات اللبنانيات يوم الجمعة 22 شوال.

[2] - الآمالي، ص903.

[3] - مجمع الزوائد للهيثمي: 1 / 126

[4] - راجع خطاب المرحلة: 6/173 

[5] - بحار الأنوار: 13/351، 14/38

[6] - قتاديل العارفين: 167

العدد 183

وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ - محكمة الضمير دليل على وجود محكمة القيامة

بسم الله الرحمن الرحيم

 (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (القيامة:2)

محكمة الضمير دليل على وجود محكمة القيامة [1]

 

قيل ان (لا) زائدة للتأكيد وليست للنفي باعتبار ان الآية ظاهرة في إثبات القسم لا نفيه ولو بمعنى السياق، لذا وقيل هي (نافية) لكنها هنا ليست لنفي القسم وإنما كناية عن عظمة المقسم به أو وضوحه بحيث يستغنى عن القسم لإثباته وما يهمّنا هنا دلالة الآية على عظمة المقسم به وجلالة قدره وأهميته وهذا السياق متكرر في القرآن الكريم كقوله تعالى (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) (الواقعة:75-76).

ويشير القرآن الكريم إلى ثلاث مراتب من النفس الإنسانية:

1- المطمئنة التي اكتملت فيها العبودية لله تعالى والطاعة والتسليم له تبارك وتعالى عن رضا واطمئنان، قال تعالى (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) (الفجر:27-28).

2- الامّارة بالسوء التي دأبت على الاستسلام للشهوات واتباع الاهواء فهي تأمر بالسوء وتدعو إلى الفحشاء والمنكر من دون أي رادع، قال تعالى (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ) (يوسف:53) وقال تعالى (وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا) (يونس:7) وقد تتمرد هذه النفس أكثر فتصبح داعية للفساد والانحراف والضلال وساخرة من أهل الطاعة والايمان ومستهزئة بالدين، هذه النفس التي يصفها الامام السجاد (عليه السلام) من خلال الشكوى منها، ويطلب من الله تعالى العون عليها (إلهِي إليْكَ أَشْكُو نَفْساً بِالسُّوءِ أَمَّارَةً، وَإلَى الْخَطيئَةِ مُبادِرَةً، وَبِمَعاصِيكَ مُولَعَةً، وَلِسَخَطِكَ مُتَعَرِّضَةً، تسْلُكُ بِي مَسالِكَ الْمَهالِكِ، وَتَجْعَلُنِي عِنْدَكَ أَهْوَنَ هالِك، كَثِيرَةَ الْعِلَلِ طَوِيلَةَ الاَمَلِ، إنْ مَسَّهَا الشَّرُّ تَجْزَعُ، وَإنْ مَسَّهَا الْخَيْرُ تَمْنَعُ، مَيَّالَةً إلَى اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، مَمْلُوَّةً بِالْغَفْلَةِ وَالسَّهُوِ، تُسْرِعُ بِي إلَى الْحَوْبَةِ، وَتُسَوِّفُنِي بِالتَّوْبَةِ[2].

3- النفس اللوّامة وهي عنوان البحث وهي بين المرتبتين ويمكن ان ترتقي إلى الأولى او تتسافل إلى الثانية فهي نفس ليست بعيدة عن الصلاح ومحبّة للطاعة الا انها تضعف احياناً فتقود صاحبها الى الوقوع في المعاصي والذنوب فتحصل عندها حالة اللوم وتأنيب الضمير والندم فتحاسب نفسها باستمرار.

وقد تحصل هذه الحالة من اللوم لأجل التقصير في عمل الخير وعدم الاستثمار الأقصى للنعم الممنوحة له ولفرص الطاعة المتاحة اذ كان يمكنه الاستزادة منها ولم يفعل، وهذا الشعور يصحب الانسان إلى يوم القيامة فيشعر بالندم والغبن على تفريطه ببعض الفرص، لذا كان من اسمائه (يوم التغابن).

وهذه الحالة من تأنيب الضمير والشعور بكربة [3] في القلب إنما تحصل بقرار تصدره محكمة الوجدان وهي نعمة من الله تعالى على الانسان ودليل من باطنه ينبهه الى الوقوع في المحذور واقترابه من الخطر ويحذرّه من عاقبته ويدعو الى التصحيح والمعالجة، وهذا يعني ان ضميره لا زال حياً ويمكن الاطمئنان إلى حركته وقراراته ولذا يحيل إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الحكم في الأمور المشتبهة حيث روي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (استفت قلبك، استفت نفسك، البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)[4] .

فعلى الانسان ان يبقي هذا الضمير حياً ليكون له واعظاً من نفسه ولا يميته باتباع الشهوات والانغماس في الرذائل والإصرار على الخطأ والخطيئة والتعصب والانانية. روي عن الامام السجاد (عليه السلام) قوله (ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَا تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ لَكَ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِكَ وَمَا كَانَتِ الْمُحَاسَبَةُ مِنْ هَمِّكَ)[5]، وروي عن الامام الباقر (عليه السلام) قوله (من لم يجعل الله له من نفسه واعظا، فإن مواعظ الناس لن تغني عنه شيئاً)[6].

وهذا يبين احد وجوه البلاغة في الإتيان بهذا القسم مع القسم بيوم القيامة في الآية السابقة (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) فان محكمة الضمير صورة مصغرة للمحكمة الإلهية الكبرى فالحاكم واحد وهو الله تعالى، والشهود نفس الشهود وهم الجوارح والضمير، والقضايا حاضرة لا تحتاج الى تهيئة و اعداد وجمع المعلومات، والمجازاة نفسها في الروح بل والجسد حيث يقوم بعض المجرمين أحياناً بإيذاء جسده ندماً ولوماً مضافاً إلى كونها محكمة حق لا جور فيها ولا تحتاج الى مراجعة واستئناف للحكم (وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (الرعد:41).

فهذه المحكمة في باطن الانسان دليل وجداني وفطري على وجود يوم القيامة والحساب والجزاء حيث لم يخلو الانسان من هذه المحكمة وهو ذرة صغيرة فكيف يعقل خلو الوجود الواسع من المحكمة الإلهية.

ويظهر ان هذه الملازمة معروفة حتى لغير المؤمنين لذا فإنهم لكي يتخلصوا من عذاب الضمير وتأنيبه عند انغماسه في الشهوات والظلم والعدوان يخدعون أنفسهم بنفي وجود يوم القيامة والحساب والجزاء، هذا ما أكدته بعض الآيات التالية لهذه (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) (القيامة:5) أي انه يكذب بما هو واقع امامه من البعث والحساب ليستمر على فجوره والتحرر من الالتزام بالشريعة.

ويحسّ الانسان في وجدانه بهذا الجزاء قبل يوم القيامة، إذ إن هذا الضمير ينشر السعادة والانشراح والاطمئنان في باطن الانسان عندما يقوم بعمل صالح وتزداد السعادة كلما ازداد العمل أهمية وقيمة وكأنه يعجّل المكافأة لصاحبه، واذا صدر منه فعل سيء فانه سيبادر الى معاقبته بألم وعذاب في القلب لا يلبث ان ينعكس على شكل اعراض مرضية في البدن وقد يلجأ صاحبه الى تسليم نفسه للعقوبات كالسجن في المحاكم الوضعية ليتخلص من الألم وعذاب الضمير.

ولأهمية هذا الضمير الحي ودوره في تربية الانسان وتقويم سلوكه وتخليص صاحبه من اثار اعماله فقد استحق القسم به.

إذن علينا أن نمثل امام محكمة الوجدان والضمير يومياً وباستمرار، ونبادر إلى إثبات برائتنا ونقاوتنا أمام هذه المحكمة قبل يوم القيامة لنذهب إلى لقاء ربّنا ونحن مبرّئون من الذنوب بفضل الله ورحمته، ولنشعر بالسعادة والاطمئنان ولذا ورد التأكيد على محاسبة النفس باستمرار كقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا، وزنوها قبل ان توزنوا) [7] وقال الامام الكاظم (عليه السلام) (ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم فان عمل حسنة استزاد الله تعالى وان عمل سيئة استغفر الله تعالى) [8] .

وتصوروا لو أن الأمة عملت بهذا المنهج وهذه الثقافة فكيف ستكون سعيدة ناجحة لكن مشكلتنا الرئيسية في غياب هذه المبادئ الأخلاقية.

[1] - كلمة ألقاها سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) على طلبة البحث الخارج بمناسبة بدء الموسم الدراسي يوم الأحد 10 / شوال / 1439 المصادف 24 / 6 / 2018

[2] - الصحيفة السجادية، مناجاة الشاكين

[3] - أشار السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس) إلى هذا المصطلح مراراً في كتاب (قناديل العارفين)

[4] - كنز العمال: ٧٣١٢

[5] - وسائل الشيعة: 16/96

[6] - تحف العقول: ٢٩٤

[7] - وسائل الشيعة ج16ص95

[8] - كتاب الزهد : 76 | 203

العدد 183

المرجع اليعقوبي: يدعو الحكومة الى إيجاد حلول آنية لتلبية المطالب المشروعة للمتظاهرين والى وضع خطط استراتيجية لتلافي حصول الأزمات.. ويدعو المتظاهرين لمنع المندسين وأصحاب الاجندات من مصادرة مطالبهم المشروعة

استقبل سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) بمكتبه في النجف الاشرف السيد يان كوبتش رئيس بعثة الامم المتحدة في العراق.

وعبّر الضيف في بداية حديثه عن قلقه عمّا يجري في العراق من احداث سياسية واجتماعية وما رافق المظاهرات الأخيرة من تجاوز على الممتلكات العامة وإضرار باقتصاد البلد.

وبعد أن شًكر سماحة المرجع ضيفه على مثابرته وشجاعته في التحرك المستمر رغم الصعوبات الموجودة قال: ان هذه المظاهرات ليست وليدة اللحظة وإنما لها أسباب موجودة منذ سنين ولكن شرارتها قد تندلع في هذا الوقت او ذاك، فالمطلوب من قادة البلد أن يفكروا دائماً في معالجة هذه المشاكل ووضع الحلول الآنية والاستراتيجية لها خصوصاً في اوقات الهدوء، اما القرارات في زمن الاضطراب والتشوش فستكون لمجرد اطفاء الحرائق.

وقال سماحته: ان اغلاق باب التوظيف منذ ثلاث سنوات تقريبا بحجة التقشف او الترهل الوظيفي او استجابة لشروط البنك الدولي قتل الأمل في نفوس مئات الالاف من الشباب والخريجين، وكان يمكن إبقاء هذا الأمل من خلال ملئ الشواغر بسبب حركة الملاك او استحداث وظائف ضرورية جديدة، خصوصاً وان الأزمة المالية قد انفرجت بشكل ملحوظ بعد تجاوز سعر برميل النفط 70 دولاراً بينما الميزانية مقدرة على سعر 46 دولاراً.

وكذلك فإن الخدمات التي يطالب الشعب بتحسينها لا يصعب توفيرها ولو تدريجياً لكن الآفة الكبرى وهو الفساد لا يدع مجالاً لأي إنجاز، مضافاً الى عدم وجود إرادة حقيقية للمعالجة.

ووصف سماحته قرار رئاسة الجمهورية أمس بالمصادقة على تخصيص رواتب تقاعدية للبرلمان المنقضي بأنه غير حكيم ولا يعي الظروف الراهنة ولم يلاحظ الوقت المناسب، فبينما يتظاهر الشعب لتحصيل وظائف تسدُّ رمقه، تسارع الرئاسة الى إقرار امتيازات نواب لم يؤدِّ الكثير منهم مسؤولياتهم التي أقسموا عليها.

إن مثل هذه القرارات تستفز الشعب وتدعوه الى النقمة من القيادات السياسية وتفقد ثقته بالعملية السياسية أصلاً.

وبالمقابل فإن على المتظاهرين أن يكونوا واعين ولا يسمحوا للمندسين وأصحاب الأجندات الشخصية والفئوية بمصادرة فعالياتهم وركوب الموجة وحرفها عن مسارها نحو التخريب والعدوان والفوضى والاضرار بمؤسسات الدولة فإنها ملك للشعب وليس الحكومة وان الاضرار بالاقتصاد الوطني يدفع ثمنه الشعب وليس الفاسدين.

وحث سماحته على الاسراع في إنهاء عملية العد والفرز وانعقاد البرلمان الجديد وتشكيل حكومة مهنية وطنية كفؤة أمينة وأن تتبع فيها الخطوات الدستورية بأن تعقد الجلسة الاولى برئاسة العضو الأكبر سناً وتشكّل الكتلة الأكبر في تلك الجلسة وتقدّم أسماء الراغبين في الترشيح الى رئاسة البرلمان و الجمهورية والوزراء، ويجري التصويت عليها داخل البرلمان ايضاً بعيداً عن المطابخ السياسية للكتل والتي تجري فيها الصفقات والمحاصصات التي تعرقل كل تقدم، وأن يُدعى الجميع للمشاركة في الحكومة على أساس المهنية والأمانة والكفاءة الوطنية من دون إقصاء أحد، ومن لا يريد المشاركة فإنه يختار قراره بنفسه.

واقترح سماحته على البعثة الأممية أن تساعد على عقد مؤتمر موسّع للنخب العراقية في مختلف الاختصاصات ليشخصوا المشاكل ويضعوا الحلول وتقدّم على أنها برنامج عمل الحكومة الجديدة التي تجعل من أولوياتها توفير الحياة الكريمة للمواطن العراقي، وأثبت العراقيون على انهم يمتلكون قادة ناجحين لو أُعطوا الفرصة، وكمثال على ذلك الأداء المهني للقادة العسكريين في تطهير محافظات العراق من دنس الدواعش، وهكذا ستنجح الكفاءات العراقية في المجالات كافة.

 

الخميس 5/ذ ق /1439

الموافق 19/7/2018

العدد 182

تحية إلى عشائرنا الأصيلة

تحية إلى عشائرنا الأصيلة [1]

المقدمة

أبا البضعة الزهرا سلامٌ يردد

 

عليك متى ما الله في الارض يعبد

لنا خمس أوقاتٍ بأنك مرسلٌ

 

ننادي وجبريلٌ ينادي ونشهد

فأي ربيعٍ في ذكرى لمولدٍ

 

وفي كل آذانٍ ربيع ومولدُ

اذا جيء بي يوم القيامة مثقلا

 

بذنبي ووجهي فرط ما ارتبتُ اسود

وقد قيل لي ماذا لديك فإنني

 

اقول لهم مهلاً لدي محمد

 

القصيدة

بنو قومي دجى خطبٌ فلاحوا

 

شموساً فجر منطقها فلاحُ

تجار بذيل عفتها بلادٌ

 

وتشحذ حيثما رعدت صفاح

هم الباقون إرث الارض فيهم

 

وأشباه الرجال أتوا وراحوا

وهم عدل المواقف حين تنزو

 

على الوطن الصوارم والرماح

وهم شجر المضائف ان تزيى

 

بهم ثمر الكلام نموا وفاحوا

وهم ان صيح من لقرىً ومأوى

 

اذا قحط تنفس نحن صاحوا

ذا ما الدين عز بهم تداعى

 

كيان المدعين وما استباحوا

فذودوا عن حماه فليس يُرجى

 

له في البأس دونكم سلاحُ

وان الدين ان لم تحتضنه

 

عشائرنا ستنهبه سجاحُ

جناحا منعةٍ للدين انتم

 

ونحن فلا يطير به جناح

بناء الدين تحرسه اسودٌ

 

كما ينميهِ فقهٌ واصطلاحُ

وان بمرجعيتكم صلاحاً

 

كما قد كان بالهادي الصلاح

ردوها موئلاً لمزيد وعيٍ

 

فليس لها بمنزلقٍ مراح

ولا يتوعدنّكمُ خؤونٌ

 

كلام الليل يمحوه الصباح

سلاماً ايها الاتون نهراً

 

تحدر من جوانبه السماح

أجنَّة ثورة العشرين حجت

 

بهم للمجد ضاحكةً بطاحُ

وذي ذيقار في الأزمات رأسٌ

 

يُشد بها لكل وغى وشاح

أتت ارض الغري ففي ثراها

 

لمن عاشوا وغابوا مستراحُ

تواتر عن بني الهادي حديثٌ

 

صحيحٌ قد أذاعته الصحاح

متينٌ رؤية العلماء دينٌ

 

وانت لكل ذي نظرٍ مُتاحُ

 

[1] - القصيدة التي رحَّب بها فضيلة الشيخ حسنين آل قفطان بزعماء عموم من محافظة ذي قار ورؤساء عشائر من محافظات الجنوب وفدوا لزيارة سماحة المرجع اليعقوبي (دام ظله) يوم الخميس 18 / ربيع الأول / 1439 المصادف 7 / 12 / 2017

العدد 182

فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بسم الله الرحمن الرحيم

(فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (النحل:98)

شرحنا سابقاً وجه الحاجة المستمرة إلى الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم في تفسير قوله تعالى (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(الأعراف:200) وشرحنا معنى الاستعاذة وانها ليست مجرد تحريك لسان وإنما هي حالة معنوية يعيشها الانسان.

وكان الأمر بالاستعاذة عاماً لكن الملفت ان الله تعالى خصَّ مورداً واحداً بالذكر طلب فيه الاستعاذة وهو عند قراءة القرآن ولا سيما في الصلاة التي هي معراج المؤمن، قال تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) واختيار وصف الرجيم له لزيادة التنفير منه وللتذكير بتمرده وعصيانه على الخالق العظيم مما اوجب رجمه وطرده.

وقوله تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ) يشير الى حالة الابتداء بالقراءة وان كان بصيغة الماضي كما لو قلت اذا اردت الذهاب الى كذا فخذ معك كذا، ويمكن ان يراد به بعد الانتهاء من القراءة كما هو ظاهر صيغة الماضي، وكون الامر بالاستعاذة جواب الشرط فتحقيق معنى الاستعاذة مطلوب قبل وبعد واثناء تلاوة القرآن وكان العبارة (( لما تقرأ القران استعذ بالله من الشيطان الرجيم)) اما قبلها فلازالة المعوّقات عن التدبر في الآيات والاستفادة منها وخلق البيئة النقية لتلقي المعارف القرآنية وتوجيه كل المشاعر الى الله تعالى ، واما اثناءها فلمنع الشيطان من التشويش وخلط الأفكار والايحاء بمعاني مخالفة لمراد المنزل العظيم كالذين قال تعالى فيهم (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ) (التوبة : 125).

واما بعد القراءة فللمحافظة على ما حصل عليه من بركات القران الكريم علما وعملا.

في مصباح الشريعة عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: (قراء القرآن يحتاج الى ثلاثة أشياء، قلب خاشع وبدن فارغ وموضع خال، فاذا خشع لله قلبه فرِّ منه الشيطان).

فشرط الاستفادة من القرآن الكريم وفهم معانيه تنقية نفس الانسان بالتقوى وتطهير القلب، في الحديث الشريف (لولا ان الشياطين يحومون حول قلوب بني ادم لنظروا الى ملكوت السماوات) [1].

 

[1] ) بحار الانوار : 56/163

العدد 182

يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ

بسم الله الرحمن الرحيم

 (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ) [1] (المدثر:1-2)

الْمُدَّثِّرُ أصلها المتدثر والمخاطب هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى ورد في الرواية [2] أن من اسمائه ذلك ويعني عرفاً من ألقى عليه كساءً أو غطاءً وتلفّف به لأجل النوم أو وقاية من البرد ونحو ذلك.

وهو في اللغة أوسع من ذلك إذ يعني التدثر ((تضاعف شيء وتناضد بعضه على بعض)) كما في معجم مقاييس اللغة أي تراكم وتكاثر شيء على شيء ولذا يطلق على المال الكثير: الدثر، فالمعنى الاوسع للمتدثر هو المحاط والمتغطي بما يمنعه من الحركة والفعالية سواء كان مادياً كما يفهم العرف أو معنوياً كالكسل والترف وحب الراحة والخوف والقلق والاغلال الدنيوية التي تعيق الحركة نحو التكامل مثل المال والمكانة الاجتماعية والأهل والولد وغير ذلك.

فالآيات الكريمة تأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن ينهض من دثاره ويقوم بالإنذار وتبليغ الرسالة الإلهية التي كُلِّف بها، ويشهد سياق الآيات أنها من أوائل ما نزل من القرآن الكريم حتى روى بعضهم أنها أول ما نزل منه ففسّر الدثار بأنه ((اعتزاله (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيبته عن النظر فهو خطاب له بما كان عليه في غار حراء)) [3] ، لكن ما ورد في سبب نزولها وتعّرف النبي (صلى الله عليه واله وسلم) على الوحي النازل عليه من قبل، مضافاً إلى تضمن الآيات لتكذيب قريش يدل على أنها مسبوقة بآيات البعثة النبوية الشريفة، فربما كانت الآيات الأولى التي أمرت بإعلان الدعوة إلى الإسلام والجهر بها بعد ان كانت سرّية في بدايتها، أو ان المقطع الأول من السورة نزل أولاً قبل التكذيب لإعداد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للمسؤولية القادمة شأنها في ذلك شأن مطلع سورة المزمِّل من دون ان تدل على ان حالة التدثر أو التزمل موجودة فعلاً وبذلك يصح القول بأنها أول ما نزل من القرآن بعد العلق أو هي والحمد ونحو ذلك.

ويمكن أن يراد بالدثار مرحلتين زمنيتين من مراحل الرسالة الإسلامية:

الأولى: بعد نزول الوحي مباشرةً حيث امتلأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هيبة من ثقل الرسالة التي كلِّف بها وحلّت به رعشة وقشعريرة فتدثّر وهنا جاءه الأمر بأن يتجاوز هذه الحالة ويستعد نفسياً وروحياً لحمل الرسالة الإلهية.

روى في الدر المنثور عن البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم بالإسناد عن يحيى بن ابي كثير قال ( سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال : يا أيها المدثر قلت : يقولون اقرأ باسم ربك الذي خلق فقال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله عن ذلك قلت له مثل ما قلت، قال جابر : لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : جاورت بحراء فلما قضيت جواري فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ونظرت خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه رعبا فرجعت فقلت : دثروني فدثروني، فنزلت يا أيها المدثر قم فأنذر إلى قوله : والرجز فاهجر [4]

الثانية: بعد ما لاقاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من تكذيب قريش واستهزائهم بالرسالة وتحشيد المجتمع ضد الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) فبلغ به الغم والضغط النفسي مبلغاً كبيراً فتدثر بسبب الشعور بالاحباط لالتقاط الأنفاس كما يقال والتخفيف عن نفسه الشريفة فأمره الله تعالى أن يخرج من حالة الانكفاء على الذات وان لا يكترث بجمعهم وحشدهم وقوتهم فأن الله تعالى سيتكفل بدحرهم جميعاً ولينطلق هو (صلى الله عليه وآله وسلم) بمشروعه الإلهي.

روى في الدر المنثور بسنده عن ابن عبّاسٍ «أنّ الوليد بن المغيرة صنع لقريشٍ طعامًا، فلمّا أكلوا قال: ما تقولون في هذا الرّجل؟ فقال بعضهم: ساحرٌ، وقال بعضهم: ليس بساحرٍ، وقال بعضهم: كاهنٌ، وقال بعضهم: ليس بكاهنٍ، وقال بعضهم: شاعرٌ، وقال بعضهم: ليس بشاعرٍ، وقال بعضهم: سحرٌ يؤثر. [وأجمع قولهم على أنّه سحرٌ يؤثر] فبلغ ذلك النّبيّ - صلّى اللّه عليه وآله سلّم - فحزن وقنّع رأسه وتدثّر، فأنزل اللّه - عزّ وجلّ - {يا أيّها المدّثّر (1) قم فأنذر (2) وربّك فكبّر (3) وثيابك فطهّر (4) والرّجز فاهجر (5) ولا تمنن تستكثر (6) ولربّك فاصبر) [المدثر: 1 - 7].

فالآيات الكريمة فيها معنى كنائي وتعبير عن الانتقال من مسؤولية العمل على إصلاح الذات وتهذيب النفس ــ حيث كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتعبد لوحده ــ إلى مسؤولية العمل الاجتماعي وإصلاح الأمة والفرق بينهما واسع بحيث ان الأول كالقعود مقابل القيام والآن انتهى زمن القعود والخلّو عن المسؤولية الكبيرة وحان زمن العمل.

 وفي ضوء هذه الرواية والتفسير فأن الآيات الكريمة تفيد ان اشعال الحروب والتعامل بقسوة وبطش وخلق العراقيل متوقعة ممن يخافون على مصالحهم من كل أصحاب الدعوات الرسالية وليس دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط فلايصح مواجهتها بالتوقف عن العمل والانحسار والانغلاق على الذات لأن العمر أقصر من ان يضيّع بالقعود والتدثر والنفس ميّالة إلى الدعة والراحة فلابد من ملئ الحياة بالقيام والنهوض والحركة والاقدام واقتحام الصعاب وتعبئة كل الطاقات المادية والمعنوية وإبلاغ الرسالة (وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ) (البقرة:238) (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى:13) ولابد من هذا القيام لله تعالى وإن كان الشخص صالحاً في نفسه وملتزماً بالشريعة الا ان هذا لا يكفي بل عليه ممارسة الإنذار والإصلاح للمجتمع ما دام في المجتمع باطل وانحراف وفساد حيث يجب عليه تغييره والنهي عنه وهو المعنى الذي تفيده سورة العصر وغيرها.  

والسمة الواضحة لهذه الرسالة الإنذار والتخويف من عاقبة الخروج عن أوامر الله تعالى ونواهيه (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً) (مريم:97) (لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ) (القصص:46) وعدم ارسال النذر اليهم يشعرهم بالطمأنينة والراحة ونسيان الله تعالى (حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء) (الأعراف:95) فان العامة لا يصلحهم الا الخوف، روي (عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام, قَالَ: "الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ ذَنْبٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا صَنَعَ الله فِيه وعُمُرٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا يَكْتَسِبُ فِيه مِنَ الْمَهَالِكِ فَهُوَ لَا يُصْبِحُ إِلَّا خَائِفاً ولَا يُصْلِحُه إِلَّا الْخَوْفُ[5] ثم تأتي البشارة بعد التخويف و الإنذار.

وفي هذا الإنذار التنبيه إلى الخطر القريب في الدنيا والآخرة رحمة للناس لأن الله تعالى غني عنهم لكن شفقته على عباده أوجبت أن يواتر إليهم رسله بالإنذار ليجنبّهم المخاطر.

وتذكر الآيات التي تليها الأسس التي يرتكز عليها العاملون الرساليون الذين يسعون إلى الاصلاح في دعوتهم إلى الله تبارك وتعالى، نشير إليها باختصار:

1- (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) (المدثر:3) ان تؤمن بان الله تعالى أكبر من ان يوصف ولا يعجزه شيء وكل قوة مهما كانت عظيمة فهي أمامه أوهن من بيت العنكبوت فلا موجب للخوف من أي قوة معارضة تمتلك المال والسلطة والجيوش لأن الخوف سيؤدي إلى المداهنة والتخلي عن المبادئ وهذا يعني الهزيمة وعلى المؤمنين العاملين أن يكونوا كما وصفهم أمير المؤمنين (عليه السلام) (عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم) [6] وعليهم أن يسقطوا من اعتبارهم كل ما دون الله تبارك وتعالى ولا يجعلوه من اهتمامهم.

2- (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) (المدثر:4) ويمكن فهمها عن ظاهرها أي تطهير الثياب وهو صحيح موافق للأحكام الشرعية أو عدم إطالة الثياب فتخطّ في الأرض كما في بعض الروايات، ولعل المراد بها المعنى الكنائي ويكون المراد من تطهير الثياب الاتصاف بالنزاهة وعفة اللسان واليد والجوارح كلها وطهارة القلب وسمو الاخلاق وحسن السيرة والالتزام بأحكام الشريعة، وجامع هذه الخصال التقوى وقد وصف القرآن الكريم التقوى باللباس قال تعالى ( وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ) (الأعراف26) وهذا التعبير متداول في اللغة العربية ففي خطبة الامام السجاد (عليه السلام) (أنا ابن نقيات الجيوب) وقال الشاعر في مدح أهل البيت (عليهم السلام)

مطهرون نقيات ثيابهم

 

تجري الصلاة عليهم كلما ذكروا

ويطلق اللباس على الزوجة، قال تعالى (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) (البقرة:187) فتكون الآية آمرة باختيار الزوجة الصالحة لأهمية دورها في حياة العاملين الرساليين من عدة جهات.

3- (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) (المدثر:5) فيجب تجنب كل أشكال المعاصي والمظالم وعدم الانجرار وراء الفتن ومكائد الشيطان واهواء النفس الأمارة بالسوء وعليهم التثبت مما يقال وعدم مداهنة الظالمين والجائرين.

4- (وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ) (المدثر:6) فلا تعتد بنفسك ولا تثق بعملك ولا تمنّ به على الله تعالى ولا على الناس فان ما عندك هو من فضل الله تعالى ورحمته (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات:17) فالمن يبطل العمل ويحبطه ويعرّض صاحبه لغضب الله تعالى فيمحوا اسمه من المؤمنين، من وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر (وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ) [7] فاذا تواضع لله تعالى وعرف ان ما عنده توفيق من الله تعالى وواظب على الشكر عليه أغدق الله تعالى عليه المزيد من النعم.

5- (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) (المدثر:7) لأن العمل شائك ويسير العامل في حقول من الألغام المادية والمعنوية حتى وصفت مواجهتها بالجهاد الأكبر فلابد من ان يتمسك بالصبر على الصعاب ليواصل الطريق ويثبت على خط الاستقامة وان يكون صبره في الله ولله تعالى.

إذن لنتأسى بالنبي (صلى الله عليه واله) في هذا الخطاب القرآني وننفض دثار الكسل والتردد وسائر الأمور المحبطة وننطلق في ميدان الدعوة الى الله تبارك وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة بعد ان نبني أنفسنا بالخصال الكريمة التي ذكرتها الآيات الشريفة.

[1] - الخطبة الثانية لصلاة عيد الفطر السعيد عام 1439.

[2] - روى الكلبي عن ابي عبدالله الصادق (عليه السلام) قال (قال لي: كم لمحمد اسم في القرآن؟ فقلت به اسمان أو ثلاث فقال (عليه السلام): يا كلبي له عشرة أسماء) ثم ذكر منها ما في آية المدثِّر (راجع بحار الأنوار: 16 / 101)

[3] - حكاه السيد الطباطبائي (قدس) في تفسير الميزان: 2/87

[4] - الدر المنثور: 8 / 324

[5] - الكافي، ج 2، ص 71

[6] - نهج البلاغة: الخطبة 193

[7] - نهج البلاغة، كتاب 53

العدد 182

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ

بسم الله الرحمن الرحيم

 (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ)[1] (محمد:11)

          المولى بمعنى الولي الذي له ولاية ما خاصة كولاية السيد على العبد او عامة كولاية الله تعالى على خلقه في التصرف والتدبير وله سبحانه ولاية التشريع وهداية العباد إلى ما يصلح شؤونهم، والظاهر انها هنا تشير الى ولاية النصر والتأييد.

          والآية تبين واحدة من ثمرات الايمان بالله تعالى وأحد الفروق بين المؤمنين وغيرهم وهو ان للمؤمنين مولى ورباً. يرعاهم ويدبر شؤونهم ويهديهم وينصرهم ويسدّدهم ويرشدهم ويشفق عليهم ويرحمهم بالرحمة والرعاية الخاصة (أما الولاية العامة فشاملة لجميع المخلوقات) قال تعالى (وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) (يونس:30).

          أما غير المؤمنين بالله تعالى سواء كانوا من المنكرين للخالق والملحدين والمشركين الذين يعبدون آلهة أخرى من دون الله تعالى - وهو عنوان يشمل في بعض مراتبه الذين هم مسلمون بحسب العنوان الا أنهم عملياً لا يعبدون الله تعالى وإنما يطيعون شهواتهم ونزواتهم وغرائزهم وما تدعوه إليه انانيتهم ويقدّسون رموزاً ويطيعونها من دون عرض أفعالهم على ما يريده الله تعالى ويرضاه - فهؤلاء قد يكون لهم مولى وناصر ومعين من سلطة أو عشيرة أو مال أو جاه أو حزب أو قوى خارجية يسمونها بالعظمى أو غيرها كقول المشركين للمسلمين يوم أحد (( لنا العّزى ولا عزى لكم)) فاجابهم المسلمون ( الله مولانا ولا مولى لكم )) الا أن الآية الكريمة تعتبر هؤلاء الموالي أوهاماً لا قيمة لها وتنفي وجودهم على نحو الحقيقة (وان الكافرين لَا مَوْلَى لَهُمْ) فكأنهم لاشيء وهم كذلك، قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ) (العنكبوت:41) واذا أثبتت آيات أخرى ولاية لهؤلاء فأنما هي ولاية الاغواء والاضلال والافساد (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:27) (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ) (الأعراف:202) (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:257).

فمن لم يكن مولاه ومعبوده ومطاعه الله تعالى فان الهه هواه والشيطان شاء ام ابى (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (الفرقان : 43) وان اعطى عناوين محببّه لها كأن يسمّون اتباع الاهواء الشخصية غير المنضبطة بالحرية وهي في الحقيقة عبودية للهوى. ويذكر القرآن الكريم الفرق بين المنهجين في الطاعة والاتباع كقوله تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة : 268]

          ولتقريب هذا الفرق بين الولايتين تصوّر وجود أطفال لهم أب يربّيهم ويرشدهم ويصرف عليهم ويرعاهم ويدافع عنهم ويوفّر لهم أسباب الحياة الكريمة وأطفالاً آخرين أيتاماً ليس لهم من يعيلهم فهم في ضياع واحتياج وحرمان قد سقطوا في حبال عصابة شريرة مفسدة فاستخدمتهم لأغراضها الشيطانية، مع ان حاجتنا إلى رعاية الله تعالى لا تقارن بحاجة الأطفال إلى أبيهم أو أمهم.

وتبين الآية التالية محل البحث النتيجة التي سيؤول إليها أمر الفريقين (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) (محمد:12).           

ومظاهر هذه الولاية الإلهية في حياة الانسان لا تعد ولا تحصى، نجد في دعاء الافتتاح بياناً لجوانب منها (فَكَمْ ياإِلهِي مِنْ كُرْبَةٍ قَدْ فَرَّجْتَها، وَهُمُومٍ قَدْ كَشَفْتَها، وَعَثْرَةٍ قَدْ أَقَلْتَها، وَرَحْمَةٍ قَدْ نَشَرْتَها، وَحَلْقَةِ بَلاٍ قَدْ فَكَكْتَها[2].

          ومن مظاهر هذه الولاية الإلهية للناس انه تعالى أنزل لهم شريعة سمحاء تتكفل بسعادتهم في الدنيا وفلاحهم في الآخرة، وهذه الولاية يتنعمون فيها وبها حتى وهم في أشد الظروف قسوة ولعلهم يجدون في أنفسهم شيئاً لأن الله تعالى لم يستجب لدعائهم (فَإنْ أَبْطاء عَنِّي عَتِبْتُ بِجَهْلِي عَلَيْكَ، وَلَعَلَّ الَّذِي أَبْطَاءَ عَنِّي هُوَ خَيْرٌ لِي لِعِلْمِكَ بِعاقِبَةِ الاُمُورِ) فأنه تبارك وتعالى لم ولن يتخلى عنهم ولا يخلفهم وعده (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح:5) ولكن التأخير لمصلحتهم أما في الدنيا أو في الآخرة، بينما يتخبط غير المؤمنين بقوانين وأنظمة تجلب لهم الشقاء والتعاسة.

          وهذه الولاية الإلهية مستمرة في الحياة الدنيا وفي الآخرة ما بعد الموت، قال تعالى (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) (إبراهيم:27) وقال تعالى (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر:51) وقال تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (يونس:63-64) .

واذكر لكم مثالا على ولاية الله الشفيقة بعباده بعد الموت (روي أن موسى عليه السلام لما دفن أخاه هارون عليه السلام ذكر مفارقته له وظلمة القبر فأدركته الشفقة فبكى فأوحى الله تعالى إليه ( ياموسى لو أذنتُ لأهل القبور أن يخبروك بلطفي بهم لأخبروك ياموسى لم أنسهم على ظاهر الأرض أحياء مرزوقين أفأنساهم في باطن الارض مقبورين ؟ ياموسى إذا مات العبد لم أنظر إلى كثرة معاصيه ولكن أنظر إلى قلة حيلته ) فقال موسى عليه السلام : يارب من اجل ذلك سُمّيت أرحم الراحمين ؟) [3]

          وفي المناجاة الشعبانية لأمير المؤمنين (عليه السلام) (إِلَهِي لَمْ يَزَلْ بِرُّكَ عَلَيَّ أَيّامَ حَيَاتِي فَلاَ تَقْطَعْ بِرَّكَ عَنِّي فِي مَمَاتِي) أما البعيدون عن الله تعالى على اختلاف اشكالهم فأنهم حرموا أنفسهم من هذه الولاية الإلهية الخاصة (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (النحل:118) ومع ذلك فان الله تعالى لم يتخلى عنهم ولم يمنعهم من رحمته الواسعة (يا من يعطيّ من لم يسأله ومن لم يعرفه تحنناً منه ورحمة) وبدلاً من ان يشعرهم هذا بالخجل والحياء من رب العالمين ويدعوهم إلى العودة إليه سريعاً فأنهم يتمادون في غيّهم وعصيانهم وابتعادهم عنه تبارك وتعالى (فَلَمْ أَرَ مَوْلىً كَرِيماً أَصْبَرَ عَلى عبْدٍ لَئِيمٍ مِنْكَ عَلَيَّ يارَبِّ، إِنَّكَ تَدْعُونِي فَأُوَلِّي عَنْكَ، وَتَتَحَبَّبُ إِلَيَّ فَأَتَبَغَّضُ إِلَيْكَ، وَتَتَوَدَّدُ إِلَيَّ فَلا أَقْبَلُ مِنْكَ، كَأَنَ لِيَ التَّطَوُّلَ عَلَيْكَ، فَلَمْ يَمْنَعْكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ لِي وَالاِحْسانِ إِلَيَّ، وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، فَأرْحَمْ عَبْدَكَ الجاهِلَ، وَجُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ إِحْسانِكَ إِنَّكَ جَوادٌ كَرِيمٌ) [4] فليعتز المؤمنون بهذه النعمة الإلهية العظيمة وليقولوا كما قال الامام الحسين ( عليه السلام) في دعاءه يوم عرفة مفتخرا برّبه العظيم ((ماذا وجد من فقدك وما الذي فقد من وجدك)) وليجدّوا ويجتهدوا في دعوة غيرهم إليها (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى:11) ولتكن دعوتهم برفق ولين وحجة وبرهان (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل:125).

[1] - الخطبة الأولى لصلاة عيد الفطر السعيد لعام 1439 الموافق 15 / 6 / 2018

[2] - فقرات من دعاء الافتتاح الذي يقرأ في ليالي شهر رمضان المبارك

[3] - لم نجد الرواية في مصدر معتبر في حدود ما بحثناه

[4] - فقرات من دعاء الافتتاح الذي يقرأ في ليالي شهر رمضان المبارك

العدد 182

المرجع اليعقوبي لدى لقائه مع المستشرق الفرنسي: الإسلام هو مؤسس المدنيّة في البلاد العربية وقائد الحضارة الإنسانية على مدى قرون.

الاربعاء

غرة شعبان المعظم 1439

الموافق 18/4/2018

استقبل سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) الباحث الفرنسي جيل كيبيل [1] المتخصص بشؤون الجماعات الاسلامية ومكافحة التطرف بمعهد الدراسات السياسية بباريس والوفد المرافق له بمكتبه في النجف الاشرف.وقد حرص الضيف على ان يكون لقاء المرجعية احدى اهم محطات زيارته الاولى لمدينة النجف الاشرف للاسترشاد برؤيتها وآرائها حول مستقبل المنطقة ازاء موجة التكفير والتطرف التي عصفت بها في السنين الاخيرة والتي اتخذت الدين الاسلامي (زوراً) غطاءً لحركتها وممارستها، كما اهتم الضيف بمعرفة انطباع المرجعية الرشيدة ودورها تجاه تحديات بناء الدولة العراقية .

وفي معرض بيانه لبعض الاسس الفكرية والعقدية التي يرتكز عليها مذهب اهل البيت (عليهم السلام) والتي تضمنتها اسئلة السيد جيل اوضح سماحة المرجع اليعقوبي (دام ظله) ان الفكر الشيعي قائم على اساس احترام الانسان بل حتى غير الانسان فقد ورد في الحديث القدسي (الخلق عيالي وأحبهم الي أشفقهم على عيالي) وكلمة الخلق هنا تعبّر عن مطلق الخلق ولا تختص بالإنسان.. كما ورد ايضا في الحديث القدسي (المؤمن اشد حرمة من الكعبة).. فالإسلام وفق منظور مدرسة اهل البيت (عليهم السلام) قائم على احترام الاخر واشاعة ثقافة الاعتدال والتسامح والسلام.. بل ذهب الى ما هو أبعد من السلام وهو التعامل بمحبة وود فيما بيننا، ورد في الحديث عن الامام الصادق (عليه السلام) (وهل الدين الا الحب) [2] .

كما لفت سماحته (دام ظله) الى ان الاسلام يعتمد الحوار كمبدأ اساسي يرتكز عليه حتى مع الخصوم، وقد تجّلى ذلك في سيرة رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) والائمة من اهل بيته (عليهم السلام) فترى امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام ) وهو الخليفة الشرعي الذي اجمع عليه المسلمون يحرص على عدم اراقة الدماء وحفظ ارواح الناس ويستمر عاماً كاملاً في مراسلة معاوية ووعظه وارشاده ( بالرغم من عناده وتمرده على الخلافة الشرعية ) قبل خوض الحرب معه، كما ارسل (عليه السلام) ابن عمه الصحابي عبد الله بن عباس لمحاورة الخوارج وتذكيرهم ووعظهم حتى نجح في اقناع 6000 منهم من اصل 9000 واعادتهم الى جادة الحق .

واشار سماحته في حديثه الى مثالٍ حي في وقتنا الراهن وهو دعوته الى معالجة التطرف الفكري والديني وتكفير الاخر بمعالجة الجذور الفكرية لهذه التيارات وحلحلة العقد التي يرتكزون عليها في شرعنة تصرفاتهم عبر فتح باب الحوار الذي يمكن ان نصل معه الى حلٍ، فإن معظم المتطرفين مصابون بالتشويش في عقولهم وافكارهم مغلوب عليها والدخول معهم في صِدام عسكري قبل السعي الى اصلاح افكارهم يعتبر خسارة.

وكرر سماحته دعوته لإخواننا اهل السنة بفتح باب الاجتهاد الذي اغلق عندهم منذ عصر ائمة المذاهب لمنح شهادة الاجتهاد للمؤهلين وتضييق دائرة الافتاء العشوائي وضبطها وحصرها عند المؤهلين لذلك علمياً واخلاقياً وهما شرطا الاجتهاد والعدالة عندنا.

وفيما يخص دور المرجعية الدينية أكد سماحته على حرص مراجع الدين على حفظ وحدة الوطن وحفظ المصالح العامة للشعب وارشادهم لما فيه صلاحهم وترصين مبدأ التعايش المجتمعي وترسيخ روح المواطنة لدى ابناء البلد والتي نجدها حاضرة وظاهرة بين ابناء البلد بمختلف مذاهبهم وقومياتهم في المواقف والمناسبات الوطنية والتحديات الامنية وغيرها. 

وشدد سماحته على ان المرجعية الدينية تستشعر مسؤولياتها تجاه الوطن وابنائه ولكنها لا تتدخل في تفاصيل الوضع السياسي وهي ليست جزءا منه البتة، وانما يكون تدخلها لأجل حفظ مصالح الناس وارواحهم، وفي المنعطفات الحساسة كدخول داعش الى العراق وغيرها من المواقف.. وهذه رؤيتها لدورها في الواقع الحالي.

وابدى سماحته تحفظه على محاولات البعض للتفريق بين الاسلام والمدنية وجعله المجتمع المدني والدولة المدنية مقابل الدولة التي تستقي قوانينها من احكام الاسلام، وأوضح (دام ظله) على ان الدين الإسلامي هو مؤسس المدنية في البلاد العربية، وقائد الحضارة الانسانية على مدى قرون فالمتتبع لأحوال العرب قبل الاسلام لا يجد الا شراذم متناحرة فيما بينها واصبحوا بالإسلام دولة حضارية مترامية الأطراف، وعادوا الى ركب الحضارة وتولدت الثقافة لديهم ونضجت رؤاهم. واصبحوا رواد وقادة الركب الإنساني.

ولفت (دام ظله) الى ان الكثير من المبادئ الانسانية التي نحترمها وتتفاخر بها بلاد الغرب نجد جذورها في الاسلام.. وما تراجع المسلمون عن انسانيتهم ومدنيتهم الا بسبب تركهم لمبادئ وقيم الدين الاسلامي العظيم، مؤكداً على النظرة الشاملة المتكاملة للدين الاسلامي.. فهو دين بناء وعمارة وسعادة للنفوس والبلدان وحضارة وتمدّن. 

وفي نهاية اللقاء اعرب الضيف عن امتنانه وتقديره لسماحة المرجع اليعقوبي بسعة صدره وشكره لما تفضل به.

هذا وحضر اللقاء عدد من كبار المسؤولين في وزارة الخارجية العراقية التي رتّبت الدعوة للضيف.

 

 

[1] - يشتغل د.جيل كيبل منصب أستاذ ورئيس برنامج الدراسات الشرق أوسطية والمتوسطية في معهد الدراسات السياسية بفرنسا، حيث يشرف على البرامج الأكاديمية حول العالمين العربي والإسلامي في مستويات الدكتوراة والماجستر والبكالوريوس. وهو أيضاً مؤسس شبكة يوروجولف Eurogolfe  عام 2003، ويشتغل حالياً منصب رئي مجلس إدارتها، وكان استاذاً زائراً لدى جامعة نيويورك وجامعة كولومبيا في الفترة 1995 ــ 1996 . وهو حاصل على شهادات علمية في اللغتين العربية والانجليزية، والفلسفة، ويحمل بكالوريوس العلوم من معهد الدراسات السياسية، ودرجة الدكتورا في علم الاجتماع والعلوم السياسية.

[2] - الخصال: ٢١ / ٧٤.

العدد 181

استدلال قرآني على وجود الامام المهدي (عج) وحياته

بسمه تعالى 

استدلال قرآني على وجود الامام المهدي (عج) وحياته[1]

من الآيات القرآنية التي يُستدل بها على وجود الامام المهدي الموعود (عليه السلام) واستمرار حياته قوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة:143) وتوضيح الاستدلال يكون من خلال عدة نقاط:

1- ان الآية الكريمة جعلت للأمة الوسط مقام الشهادة على الناس أي يشهدون على أعمالهم عند الله تعالى.

2- وان الناس جميعاً من الأولين والآخرين مشمولون بهذه الشهادة ولا يستثنى أحد من الشهادة على اعماله لعدم الفرق بين واحد وآخر وشمول الجميع بقانون الثواب والعقاب، فلابد أن يكون واحد من الأمة الوسط موجوداً في كل زمان وفي كل جيل ليؤدي الشهادة على الناس، ولا يخلو زمان من شاهد على الاعمال لأنه يعني وجود أمة من الناس لا يُشهد على أعمالهم.

3- والشهادة تتطلب حضوراً ومعاينة ليشهد عن حس ووجدان وليس عن سماع أو إخبار من الآخرين أو تخمين أو ظن وهو معنى الشهادة، ولا تتيّسر القدرة على معاينة كل اعمال الناس والاطلاع عليها الا للمعصومين (سلام الله عليهم) وهو مفاد قوله تعالى (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبة:105) فالأمة الوسط التي تشهد على اعمال الناس يوم القيامة هم الأئمة المعصومين (سلام الله عليهم).

وقد دلّت الروايات على ذلك كالحديث الذي رواه الشيخ الكليني في الكافي بسنده عن بريد العجلي قال (سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) (البقرة:143) فقال: نحن الأُمة الوسطى ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه) [2].

فنتيجة هذه المقدمات وجود المعصوم (عليه السلام) في كل زمان ليشهد على أعمال الناس وليس هو في زماننا الا الامام المهدي (عج) لعدم وجود غيره.

[1] - خاطرة تحدث بها سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) امام طلبة البحث الخارج بمناسبة ذكرى ميلاد الامام المهدي (عج) في شعبان 1439 المصادف 5 / 2018

[2] - الكافي: 1 / 146 / ح 2

العدد 181

كن عند المنكسرة قلوبهم

بسمه تعالى 

كن عند المنكسرة قلوبهم[1]

روي ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (سئل: أين الله؟ فقال: عند المنكسرة قلوبهم)[2] والسؤال فيه تقدير ومعناه أين نجد الالطاف الالهية الخاصة وأين نحظى باقبال الله تعالى وشمولنا بالرحمة والعطاء، والا فان الله تعالى لا يسأل عنه بأين، قال تعالى (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) (الحديد:4).

فاذا وجدت قلباً منكسراً فاعلم انه مظنة لنيل رضا الله تعالى.

ولانكسار القلب أسباب عديدة وتبعاً لذلك تكون عدة اشكال للكون مع المنكسرة قلوبهم.

فقد ينكسر قلب الانسان عندما يُظَلم ويعتدى عليه ولا يستطيع استنقاذ حقه ودفع الظلم والعدوان عنه، ويكون حينئذٍ معنى الكونَّ معه: السعي لرفع الظلم عنه واسترجاع حقه، وأول مخاطب بذلك الظالم نفسه فعليه ان يعوضه ويؤدي اليه حقه، وفي الحديث الشريف (من كسر مؤمناً فعليه جبره)[3].

وقد ينكسر القلب بسبب كثرة الهموم والابتلاءات، روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله (انه ليأتي على الرجل منكم زمان لا يكتب عليه سيئة وذلك انه مبتلى بهمّ المعاش، وقال ان الله يحب كل قلب حزين)[4] فمن سعى في مساعدة هؤلاء وقضاء حوائجهم فليستثمر مثل هذه الحالة للدعاء والطلب.

وقد ينكسر ندماً لما صدر منه من المعاصي والذنوب وفي رتبة أعلى من ذلك ينكسر قلبه للتقصير في أداء حق الله تعالى عليه وعدم الاستفادة من كل لحظة في طاعة الله تعالى، وفي دعاء أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي رواه كميل (وقد اتيتك يا الهي بعد تقصيري واسرافي على نفسي معتذراً نادماً منكسراً).

وقد ينكسر القلب من خوف الله تعالى وخشيته كما في قول أمير المؤمنين (عليه السلام) ( ان لله عباداً كسرت قلوبهم خشيته)[5]، فاذا طبقنا الحديث السابق (من كسر مؤمناً فعليه جبره) فان مثل هؤلاء يتكفل الله تعالى بجبر قلوبهم المنكسرة بعطائه المهنّا الذي ماله من نفاذ وطوبى لهم وحسن مآب وفي مناجاة المفتقرين للإمام السجاد (عليه السلام) (إلهي كسري لا يجبره الا لطفك وحنانك).

ان هذا القلب الذي تكون له هذه الحالة المحمودة ــ انكسار القلب ــ يمكن ان يتحول إلى الضد اذا أصيب الانسان بالغفلة أو تغلب عليه هواه وطمعه وحبّه للدنيا وانقاد لشهواته، في امالي الصدوق عن الامام الصادق (عليه السلام) قال (كان ابي يقول: ما من شيء افسد للقلب من الخطيئة، ان القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير اسفله أعلاه واعلاه اسفله)[6] وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال (ان الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فاذا ذكر الله سبحانه خنس وان نسيه التقم قلبه فذلك الوسواس الخناس)[7].

فإذن عندنا فرصة عظيمة للطاعة ونيل رضا الله تبارك وتعالى بأن نكون مع المنكسرة قلوبهم بالاشكال المتعددة التي ذكرناها، وقد اجتمعت كل هذه الأسباب يوم عاشوراء في قلب الإمام ابي عبدالله الحسين (عليه السلام) واخته العقيلة زينب (سلام الله عليها) فالظلم والعدوان الذي تعرض له الإمام (عليه السلام) لا نظير له، والهم والابتلاء الذي حلَّ به (عليه السلام) كان في أشدّ حالاته، وتعلّق قلبه بالله تعالى وانكساره من خشيته كان في ذروته فكانوا سلام الله عليهم أبواب الله التي منها يؤتى، فللّه الحمد على هدايته لولايتهم.

[1] - القيت يوم الخميس 11 رجب 1439 المصادف 29 / 3 / 2018 على مواكب الهيئة الزينبية الذين يجتمعون سنوياً في النجف الأشرف لينطلقوا إلى كربلاء سيراً على الاقدام حيث يقيمون شعائر ذكرى وفاة العقيلة زينب وزيارة النصف من رجب.

[2] - بحار الانوار: 73 / 157 ح 3 عن دعوات الراوندي: 120 . رقم 280 - 282

[3] - الكافي ط الإسلامية: 2/45

[4] - بحار الانوار: 73/ 157 ح 3

[5] - تحف العقول: 289 في وصية امام الكاظم (عليه السلام) لهشام بن الحكم

[6] - سفينة البحار: 7 / 340

[7] - بحار الانوار: 70 /48

العدد 181

سماحة المرجع اليعقوبي يستقبل سماحة العلامة الشيخ محمد رضا النعماني

سماحة المرجع اليعقوبي يستقبل سماحة العلامة الشيخ محمد رضا النعماني

استقبل[1] سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي(دام ظله) بمكتبه في النجف الأشرف سماحة العلامة الشيخ محمد رضا النعماني (دامت تأييداته) الذي لازم المرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس) عدة سنوات في داره حتى اعتقاله الأخير واعدامه في نيسان / 1980 ودوّن بعض ذكرياته في كتابه الشهير (سنوات المحنة وأيام الحصار).

وبعد الترحيب بالضيف الكريم، دار الحديث حول جملة من القضايا التي تتعلق بالشأن الديني والاجتماعي والفكري وسبل مواجهة التحديات التي تكتنف واقعنا المعاش وتهدد أواصر البنية العقدية للمجتمع العراقي، وتطرّق الحديث الى ضرورة دعم مشاريع التوعية الفكرية والثقافية... والسعي لربط هذا الجيل بالأجيال الرسالية التي سبقته للاستفادة من تجاربهم والاقتداء بهم .

كما تمحور الحديث حول المرجع الشهيد السيد محمدباقر الصدر (قده)في سنوات محنته وعبق ذكرياته واجواء الحراك الاسلامي وبكل ما اختزنته تلك الأيام من ريادة ونبوغ ووعي وبراعة اتسم بها السيد الصدر في كل حقل ألّف فيه او كتب عنه، فضلاً عمّا امتزج بها من آلآم وأحزان وتحديات احاطت به  قدس سره وقابلها بصبر وثبات ورباطة جأش وعمل دؤوب، اذهل القريب والبعيد وبحرصه على إعلاء كلمة الله تبارك وتعالى و الاسلام العظيم الذي أفنى ذاته من أجله بما عُرِف عنه من إيثار ونكران للذات وبحرصه على ديمومة كيان الحوزة العلمية ووحدتها ورصانتها..

فقد كان قدس سره أسوة في المجال العلمي والاخلاقي وفي اهتمامه بأمور المسلمين.. حتى رحل عن هذه الدنيا شهيداً مكرّماً وحثّ سماحة الشيخ المرجع الضيف الكريم على إكمال مشاريعه الدينية والتوعوية التي بدأها كالمدرسة الدينية ومعهد الخطابة والإذاعة ودورات التنمية البشرية وغير ذلك.

وفِي نهاية اللقاء ودِّع سماحة الشيخ النعماني بنفس ما أُستُقبِل به من حفاوة وتكريم

[1] - تاريخ اللقاء 7 / جمادي الثاني / 1439 الموافق 24 / 2 / 2018

العدد 181

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً / الوسطية في الإسلام لا في غيره

بسم الله الرحمن الرحيم

 (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) (البقرة:143)

الوسطية في الإسلام لا في غيره [1]

من المفاهيم التي اُختطفت وحُرِّفت عن معناها الحقيقي (الوسطية) والاعتدال حيث أصبحت تعني ــ وفق الثقافة المستوردة ــ التخلي عن التعاليم الدينية التي تراها القوى المستكبرة متشددة لأنها تضّر بمصالحها وتكشف خططها الخبيثة الماكرة وتوقظ الشعوب، حتى فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبرونها تشدداً ومخالفة للحريات الشخصية بحسب زعمهم ونحو ذلك من الاصنام التي صنعوها وفرضوا على الناس عبادتها وتقديسها وقنّنوا لها القوانين وألبسوها ثياباً جذابة كالديموقراطية والحريات العامة وحقوق الانسان والدولة المدنية ونحو ذلك ليخدعوا بها الناس ويفرغوا محتواهم العقائدي حتى يحولّوهم إلى عبيد خانعين لهم منقادين لسياساتهم، مستفيدين من تطرف بعض الحركات والمجاميع المدعّية للإسلام والتي وصفت بالإرهاب فحمّلوا هذه المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية اوزار الصراعات السياسية. وقد انخدع بهذا جملة من الإسلاميين ورجال الدين فاقتنعوا بأن الدولة المدنية لابد أن تكونّ بعيدة عن الدين، وعلى القيادة الدينية أن لا تتدخل في السياسة ولا تمارس وظيفتها في ارشاد الأمة وتوجيهها نحو الصلاح.

والوسطية مفهوم قرآني وليس من ابتداعاتهم حتى نأخذ مفهومه وحدوده منهم، قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا) (البقرة:143) وقال تعالى في نفس المعنى (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) (الحج:78) فاستحقاقها لمقام الشهادة على الناس تفرع على اجتبائها لتكون الأمة الوسط أي خير الأمم وأفضلها حيث قال اهل اللغة ــ كصاحب العين ــ ((الوسط من كل شيء افضله واعدله)) وفي مجمع البيان ((الوسط: العدل، وقيل الخير)) ومنه يظهر الوجه في جعلهم شهداء على الناس لأنهم الأفضل من بين الأمم كما ان الأنبياء اصبحوا شهداء لأنهم الأفضل، فتتفرع الشهادة عن الأفضلية كما تفرعت عن الاجتباء في آية سورة الحج المتقدمة.

والوسطية يمكن ان يكون لها أكثر من منشأ:

1- الوسطية بمعنى الأفضلية والخيرية ويتفرع عليها الوسطية في المرتبة بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعامة الناس فالأمة الوسط لها مقام الشهادة على الناس كافة ويكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم شهيدا.

2- الوسطية بمعنى التوسّط في الاعتقاد والسلوك بين الافراط والتفريط فليسوا هم غارقين في الماديات وملذات الجسد كاليهود والمشركين ولا في الرهبانية التي تقفز على الواقع ولا تعترف بحاجات الجسد كالنصارى، والجماعة التي تلتزم بالمعنى الثاني هي التي تستحق المرتبة المذكورة في المعنى الأولى فلا منافاة بين المعنيين[2] وعلى هذا فالأمة الوسط لا تشمل كل من ادعى الإسلام ظاهراً وإنما فئة خاصة من الأمة، وإنما أضيف الوصف إلى كل الأمة لأنها ضمت هذه الفئة وأنها فيهم كتفضيل بني إسرائيل على العالمين بمعنى أن هذه الفضيلة فيهم ولا يلزم منه اتصاف كل واحد منهم بها.

روى العياشي في تفسيره عن الامام الصادق (عليه السلام) قال (قال الله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة:143) فإن ظننت أن الله عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحدين، أفترى أن من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر يطلب الله شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الأمم الماضية، كلا لم يعن الله مثل هذا من خلقه، يعني الأمة التي وجبت لها دعوة إبراهيم (عليه السلام) (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران:110) وهم الأمة الوسطى وخير أمة أخرجت للناس)[3].

ويقف على رأس هذه الأمة الشاهدة أهل البيت (عليهم السلام) ففي عدة مصادر ومنها الكافي بسنده عن بريد العجلي قال (سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) (البقرة:143) فقال: نحن الأُمة الوسطى ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه)[4] وفي حديث آخر (الينا يرجع الغالي وبنا يرجع المقصِّر) [5].

لأن الشهادة على شيء تتطلب حضوراً عنده ومعاينة له فالشهادة على اعمال الناس لا تحصل الا للمعصومين (عليهم السلام).

ويمكن أن يتسع مفهوم الأمة الوسط لتشمل الدعاة إلى الله تبارك وتعالى والعاملين الرساليين الذين يجسدون تعاليم الإسلام في حياتهم اذا فهمنا الشهادة على الناس بمعنى الحجة وممارسة الرقابة والشهادة على إمكانية ان يكون الانسان مستقيماً ومتوازناً في حياته، وهم يؤدّون هذا الدور، فيقال يوم القيامة لمن عصى وقصّر في فعل الطاعة واجتناب المعصية معتذراً بصعوبة ذلك على الانسان المملوء بالشهوات والغرائز، فيقال له ألم يكن فلان صالحاً وهو انسان مثلك فيكونون شهداء على الناس بهذا المعنى.

فالوسطية تعني فيما تعني التسليم لله تعالى والانقياد له والاستقامة على الدين والاعتدال في المسيرة والعدل في الحكم والإحسان الى الناس ونبذ كل انحراف وزيغ وضلال (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل:90).

وبهذا نفهم ورود الآية في سياق الحديث عن تحويل قبلة المسلمين في المدينة من بيت المقدس إلى مكة المكرمة، ففي الآية التي سبقتها (سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (البقرة:142) فكأن الأمر بالصلاة إلى بيت المقدس أولاً كان يستهدف سحق انانية العرب وعصبيتهم الجاهلية وتحقيق معنى الطاعة والعبادة الخالصة لله تعالى وتحقيق معنى الأمة الوسط، فيما يصف الأمم السابقة (وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) (البقرة:145).

ان الأمة الوسط هي الأمة المتوازنة، فهم أهل الرأي الوسط الذي يجمع حسنات الآراء الأخرى ويتجنب سلبياتها، وهم أمة وسط لأنهم عادلون منصفون يعطون لكل ذي حق حقه، سواء على مستوى التعامل مع أنفسهم أو الآخرين أو في حقوق الله تعالى أو حقوق الناس، في الدر المنثور بسنده عن جمع من الصحابة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن (وسطاً) تعني ((عدلاً)).

وهم أهل الاعتدال والتوازن في قوانينهم فلا يحيفون على الفرد لحساب المجتمع ــ كالنظام الاشتراكي ــ ولا العكس كالرأسمالي وهم متوازنون في علاقتهم فلا يذوبون في الآخرين ولا ينغلقون على أنفسهم وهكذا.

وشاء الله تعالى أن يجعلها وسطاً في حسابات التاريخ والجغرافية أيضاً، فعلى الأول هي وسط بين عصور الجاهلية والتخلف وعصور الرشد والنضج على كل الأصعدة العلمية والفكرية والأخلاقية والاجتماعية. وعلى الثاني تحل هذه الأمة وسط الأرض ومنها تمرّ خيرات الأرض وعطاء أهلها المادي والمعنوي من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب وبالعكس.

ومن هنا يتبيّن ان لا وسطية الا في الإسلام الأصيل وليس في الثقافات المستوردة من المستكبرين فلا وسطية وهم يتبعون شهواتهم واهواءهم وما تمليه عليهم شياطينهم قال تعالى (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً) (النساء:27) والميل خلاف الوسطية فهم أبعد ما يكونون عنها، ولكنهم يريدون أن يبتزونا بهذا التحريف للمصطلحات لنتخلى عن هذه الجوهرة العظيمة أعني الإسلام، بل الآية تؤكِّد ان المسلمين هم الأمة الوسط أي النموذج الأمثل والأفضل التي يجب ان ترجع إليها الأمم الأخرى وتتبعها وليس العكس فليثقوا بأنفسهم وبما عندهم، على ان لا يتكئوا على امجاد الماضي والتفاخر بمآثر الصالحين من دون عمل صالح يستحقون به هذا المقام.

[1] - كلمة سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) التي القاها على الفضلاء والأساتذة الذين يحضرون بحثه الشريف يوم الاثنين 20 شعبان 1439 المصادف 7 / 5 / 2018

[2] - ذكر هذا الاشكال السيد الطباطبائي (قدس) قال ((إن كون الأمة وسطاً إنما يصحّح كونها مرجعاً يرجع إليه الطرفان، وميزاناً يوزن به الجانبان لا كونها شاهدة تشهد على الطرفين فلا تناسب بين الوسطية بذاك المعنى والشهادة وهو ظاهر، إذ لا يترتب شهادة الرسول على الأمة على جعل الأمة وسطاً، كما يترتب الغاية على المغيى والغرض على ذيه)) (الميزان في تفسير القرآن: 1 / 315)

[3] - تفسير العياشي1: 63/114

[4] - الكافي1: 146/2

[5] - تفسير نور الثقلين: 1 / 134

العدد 181

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ / الاستعاذة بالله تعالى من شياطين الجن والانس

بسم الله الرحمن الرحيم

 (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (فصلت:36)

الاستعاذة بالله تعالى من شياطين الجن والانس [1]

ومثلها قوله تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأعراف:200) الا انهما تختلفان في ان الآية عنوان البحث ظاهرة في الحصر بأن الله تعالى وحده هو الذي يسمع استعاذتك واستجارتك وهو العليم الذي يعلم بحاجتك واضطرارك بينما اكتفت آية الأعراف بالوصف دون الحصر، ولذا يستحب [2] ذكر هذين الاسمين من الأسماء الحسنى في الاستعاذة فتقول مثلاً (اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان اللعين الرجيم).

والنزغ يعني الضغط بطرف قضيب او الاصبع بعنف مؤلم واستعمل هنا بمعنى الوسوسة الباعثة على الشر لذا عرّفه الراغب وغيره بأنه الدخول في الامر لإفساده قال تعالى (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً) (الإسراء:53) وقال تعالى (مِن بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) (يوسف:100).

فالآية الكريمة ترشد الانسان إلى انه اذا تعرض لتسويل من النفس الامارة بالسوء وتزيين من الشيطان او اغراء من الآخرين او هيجان للشهوة او غريزة الغضب فليستعذ بالله تعالى خاصة دون غيره ويطلب منه بصدق ان يحميه من الزيغ والانحراف والاستجابة لدعوة الشيطان, ولا يتهاون بالأمر ويترك الاستعاذة والاحتراز، وأن لا يتكل على قدراته الذاتية في الاعتصام من الذنوب والاخطاء كما يتصور بعض المعتًدين بأنفسهم ويجازف احياناً ويصل الى حدود الذنب ــ كمجالسة الفسّاق أو الخلوة بالأجنبية ــ ولا يمتنع من ان يحوم حول حدود المعصية معتمداً على ثقته بانه قادر على أن يملك زمام نفسه والامتناع من الوقوع فيها، ولا يعلم أنه بمفرده عاجز عن مواجهة الشيطان الخبيث الماكر الطامع، فيجب عليه بمقتضى الآية الكريمة اتخاذ اجرائين عندما تسوِّل له نفسه امراً ويزيّنه الشيطان ويتحرك فيه داعي المعصية والباعث نحو الشر: أولهما الاستعاذة (فَاسْتَعِذْ) وثانيهما أن تكون (بِاللَّهِ).

يضرب بعض أهل المعرفة مثالاً ليقرًب الفكرة فيقول لأحد تلاميذه لو أنك كنت في طريق زراعي وكان هناك قطيع من الغنم يرعاه صاحبه ومعه كلب الحراسة فنبح عليك الكلب وأراد مهاجمتك فماذا ستفعل؟ قال: ألتقط حجراً وأرميه به لزجره, قال المعلم فلو لم يرتدع الكلب وعاد الى النباح والمهاجمة قال الطالب أرميه بآخر قال المعلم فأن لم ينفع ذلك ثانيةً وثالثة , فسكت الطالب , وهنا قال المعلم : أما كان الاجدر بك أن تطلب من الراعي ليبعد الكلب عن طريقك فإنه قادر على توجيهه ويأتمر بأمره .

وتقريب الفكرة إننا لا نملك القدرة لوحدنا على مواجهة مكائد الشيطان وخدعه وتسويلاته ووسوسته إلا أن نستعيذ بالله تعالى القادر عليه والماسك بزمام أمره.

روي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قوله ( اذا وسوس الشيطان الى أحدكم فليستعذ بالله وليقل : آمنت بالله مخلصاً له الدين )[3].

وروى الحاكم بسنده عن سليمان بن صرد قال (استبّ رجلان عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأشتد غضب احدهما فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الغضب: اعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقال الرجل: امجنون [4] تراني؟ فتلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)[5].

ولابد ان نلتفت الى ان الاستعاذة المنتجة والمؤثرة ليست مجرد لقلقة لسان بل هي حالة معنوية لابد فيها من حضور الذكر في القلب والتقوى في النفس والإخلاص في العمل، اما من كان باطنه ملوثاً فلا ينفعه تحريك اللسان بالاستعاذة، لاحظ قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف:201) أي ان ذهاب مس الشيطان متوقف على التذكر، فهذه الآية مشابهة لما نحن فيه وعبرت عن النزغ بالمس ومن المقابلة يعرف ان الاستعاذة تلزم التذكر بأن تذكروا نعمة الله عليهم واستحقاق الشكر عليها وتذكروا العاقبة الوخيمة لاتباع الشيطان في الدنيا والآخرة وتذكروا تفاهة ما يمنيهّم الشيطان به وان بدا مغرياً لذيذا فبهذا الذكر والحضور الوجداني لله تعالى وهذه القوة المعنوية الحاصلة له يعصمه الله تعالى من الشيطان والتي تنتجها الاستعاذة لكن ليس مجرد الكلمات الخالية من المعاني.

الا ترى ان من هاجمه حيوان مفترس فانه لا يتخلص منه بان يقف مكانه ويقول بلسانه اعوذ بهذا المكان الحصين من هذا الحيوان بل عليه ان يدخله ويغلق بابه بإحكام لينجوا، وقد وعد تعالى من يستعيذ به بالنجاة من مكائد الشيطان، قال تعالى (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) (النحل:99-100) وقال تعالى (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (ص:82-83) وقال تعالى (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً) (الإسراء:65).

ويظهر من هذه الآيات الكريمة أن أهم شروط الاستعاذة المؤثرة الإخلاص:  وفي الحديث القدسي (لا إله الا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي) [6] فالإخلاص في التوحيد ونفي سائر المعبودات غير الله تعالى فلا طاعة للهوى ولا للشهوة ولا لذوي النفوذ والجاه وأصحاب الأموال وانما لله تعالى وحده فهذا هو الحصن الذي يحمي من العذاب ومكائد الشيطان والإخلاص له مراتب فيتخلص من شر الشياطين بنفس مقدار إخلاصه

 ومن شروطها: الايمان والتقوى والتوكل على الله تعالى وحده دون غيره من الأسباب واستشعار معنى العبودية لله تعالى وأداء استحقاقاتها كما نطقت به الآيات المتقدمة وغيرها.

هذا من جانب الأمور القلبية، وهناك إجراءات محصّنة على صعيد العملي ففي الحديث عن الامام الصادق (عليه السلام) قال (قال ابليس: خمسة ليس لي فيهنّ حيلة وسائر الناس في قبضتي: من اعتصم بالله عن نية صادقة، واتكلَّ عليه في جميع اموره، ومن كثر تسبيحة في ليله ونهاره، ومن رضي لأخيه المؤمن بما يرضاه لنفسه، ومن لم يجزع على المصيبة حين تصيبّه، ومن رضي بما قسم الله له ولم يهتمّ لرزقه) [7]. وروى الامام الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ألا أخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب؟ قالوا: بلى، قال: الصوم يسوِّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحب في الله والمؤازرة على العمل الصالح يقطعان دابره، والاستغفار يقطع وتينه) [8].

فهذه الشروط والملكات الباطنية التي تبرزها مثل هذه الاعمال الصالحة تجعل الحالة المعنوية قويّة وعصيّة على اختراق الشيطان. لان الوساوس الشيطانية كالجراثيم الضارة لا تخترق الا الابدان الضعيفة ذات المناعة القليلة ولا تقدر على اختراق الابدان القوية ذات المناعة العالية.

أيها الأحبة:

اننا مطالبون بالاستعاذة من الشيطان على الدوام لأنه توعدّ البشر بالقعود على الصراط (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) (الأعراف:16) لحرفهم عن الاستقامة أو ردّهم ومنعهم من السير نحو الكمال كقطّاع الطرق ولا يدع الانسان حتى يجعله من اتباعه بلا فرق بين شياطين الجن والانس فان دأبهم صد البشر عن التقرب من الله تعالى (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً) (النساء:60) (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ) (المائدة:91).

وتتأكد الحاجة إلى الاستعاذة اليوم اكثر، لأنّ زماننا اعقد من أي زمان مضى في كثرة ابتلاءاته وتحدياته وصعوباته وتنوع ادواتها واساليبها وقوة تأثيرها الفائقة، وقد توعدّ شياطين الأنس بإيصال آلات الافساد والضلال الى داخل غرف النوم ولا يوجد احد بمنأى منها الا من تحصّن بدرع الله تعالى الحصينة، لذا تركّز الادعية المباركة على طلب العصمة من الذنوب والقدرة على النجاح في تجاوز المحن والصعوبات من الله تعالى وعدم الاتكال على النفس والقدرات الذاتية، كدعاء الامام السجاد (عليه السلام) في صحيفته المباركة (اللهم احْصُرْنِي ــ أي امنعني ــ عَن الذُّنُوبِ، وَوَرِّعْنِي عَنِ الْمَحَارِمِ، وَلا تُجَرِّئْنِي عَلَى الْمَعَاصِي) وفي دعاء اخر قال (عليه السلام) (وَ أَوْهِنْ قُوَّتَنَا عَمَّا يُسْخِطُكَ عَلَيْنَا  وَ لَا تُخَلِّ فِي ذَلِكَ بَيْنَ نُفُوسِنَا وَ اخْتِيَارِهَا، فَإِنَّهَا مُخْتَارَةٌ لِلْبَاطِلِ إِلَّا مَا وَفَّقْتَ، أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمْتَ) [9]تصوّروا ان الامام (عليه السلام) الذي يقول في دعاء آخر (لا تؤدّبني بعقوبتك) أي اجعل تأديبك ايايّ من دون بلاء وسلب للنعم كأن يكون بالموعظة والتعليم والتبصّر والاستفادة من تجارب الآخرين، لكن لما لم تفلح هذه الأساليب في الردع عن المعصية يطلب الاجتناب عنها ولو بسلب بعض القوى والأدوات التي يعصي بها الانسان ربّه المنعم.

لقد تفتقت الذهنيات الشيطانية عن خطط ماكرة وخبيثة لاستدراج الشخص وايقاعه في فخ المعاصي والخطايا والذنوب كالاتصال بأجهزة النقال مع نساء لا على التعيين وخداعهن بكلمات الحب والمشاعر العاطفية الجياشة التي تنطلي على المرأة الساذجة حتى تثق بهم وتلتقي بهم او تعطيهم صورا شخصية فيهددونها بالفضيحة او ابتزازها في اعمال منكرة او اغراء الشباب بمستقبل زاهر وحياة هنيئة ليكون جزءا من فسادهم واداة لتحقيق مآربهم.

ان الله تعالى يقدٍّر ضعف الانسان وعجزه عن مواجهة شياطين الجن والانس فجعل له ملائكة يحفظونه ويدافعون عنه [10]، وفي بعض الروايات [11] انه لو كشف لكم الغطاء لرأيتم العدد الكبير من الشياطين الذين يحيطون بكم ويتربصون بكم، لكن الله تعالى جعل الملائكة الحافظة لدفعهم.

وجعل بلطفه وكرمه شهر رمضان المبارك الذي تُغّلَ فيه الشياطين ففي خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في استقبال شهر رمضان (و ــ إن ــ الشياطين مغلولة ــ في هذا الشهر ــ فسلوا ربكم أن لا يسلطها عليكم) واذا استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا فقد فتح لهم باب التوبة ليعودوا إلى الحالة النقية الطاهرة خصوصاً في هذا الشهر الكريم حيث  تغفر فيه الذنوب بدرجة لا يحرم منها الا الاشقياء ( فان الشقي من حُرِمَ غفران الله في هذا الشهر العظيم) [12]  وفي رواية صحيحة عن الامام الصادق (عليه السلام) قال (من لم يغفر له في شهر رمضان لم يُغفر له إلى قابل الا أن يشهد عرفة) [13] .

 

  

[1] - كلمة القيت يوم الاحد 4 رمضان 1439 الموافق 20 / 5 / 2018

[2] - في تفسير العياشي: 2 / 270 ح 67 عن سماعه عن ابي عبدالله (عليه السلام) في قول الله (فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) قلت: كيف أقول: قال (عليه السلام) (تقول: استعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم)

[3] كتاب الخصال : باب الاربعمائة

[4] ) ربما يقصد هل انه فيه مسّ من الشيطان حتى تعوذه فيه حيث كانوا يعتبرون المجنون مساً من الشيطان او انه يستنكر اعتراض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على غضبه ولا يرى سلوكه المتعصب خارجاً عن تصرف العقلاء.

[5] ) روح المعاني :24/ 125

[6] - التوحيد للصدوق: 25، بحار الأنوار: 3/13، 90/192

[7] - الخصال: 285 ح 37

[8] - أمالي الشيخ الصدوق: 117 ح 102

[9] ) الصحيفة السجادية: الدعاء التاسع

[10] ) راجع تفسير قوله تعالى ( لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [الرعد : 11]

[11] ) في الحديث عن الامام الباقر (عليه السلام) (اذا مات المؤمن خُلِّي على جيرانه من الشياطين عدد ربيعة ومضر كانوا مشتغلين به) (الكافي:2 / 251 ح 10) وعن الامام الصادق (عليه السلام) قال (إن الشياطين اكثر على المؤمنين من الزنابير على اللحم) (بحار الأنوار: 81 / 211 ح 27).

[12] ) مفاتيح الجنان: خطبة النبي (ص) في اخر جمعة من شعبان

[13] ) وسائل الشيعة: 10 / 305 أبواب احكام شهر رمضان، باب 18 ح 6.

العدد 181

إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ / التغيير يبدأ من داخل الانسان والمجتمع

بسم الله الرحمن الرحيم 

 (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11)

التغيير يبدأ من داخل الانسان والمجتمع [1]

يؤصِّل هذا المقطع من الآية الكريمة لقاعدة أساسية في التغيير على صعيد الفرد والمجتمع، بأنه يبدأ من داخل النفس ومن داخل المجتمع ولا يكفي فيه وجود العوامل الخارجية، والتغيير مطلق سواء كان ايجابياً نحو الأفضل أو تغييراً سلبياً نحو الأسوأ، فلا يصلح حال الأمة ويتحسن الا اذا حافظت على سلامة مسيرتها ونواياها وعالجت نقائصها ونقاط ضعفها وتردّيها ولا تنتظر التغيير من الخارج فانه حتى لو حصل فانه لا يحقق النتائج المرجّوة اذا لم يقترن بالتغيير الداخلي[2].

وهكذا على صعيد الفرد فانه ما لم يمتلك الإرادة والعزيمة والمقدمات الصالحة فان ألف واعظ ومرشد ومصلح لا ينفعه في شيء.

هذا في اتجاه التكامل والرقي، وكذا في اتجاه الانحطاط والتسافل فانه لا يحلّ به الشقاء وتزول عنه النعم التي كان يرفل بها من الصحة والأمان والغنى والسعادة وغير ذلك الا بعد ان يضعف هو من الداخل وتتغير أهدافه ونواياه وافكاره، قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ) (الأعراف:96).

وهناك آية أخرى أشارت إلى جانب التغيير نحو الشقاء والتعاسة وزوال النعم فقط، قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال:53) هذا مع ملاحظة ان الله تعالى (يَعْفُو عَن كَثِيرٍ) (المائدة:15) ولا يؤاخذ الناس بكل ما كسبوا كما هو واضح من ختام الآية المباركة.

في الحديث القدسي الذي يروى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال (يقول الله وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي ما من أهل قرية ولا أهل بيت ولا رجل ببادية كانوا على ما كرهته من معصيتي ثم تحوّلوا إلى ما أحببت من طاعتي الا تحولّت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبّون من رحمتي،  وما من أهل بيت ولا قرية ولا رجل ببادية كانوا على ما احببت من طاعتي ثم تحولّوا منها إلى ما كرهت من معصيتي الا تحولت لهم عمّا يحبون من رحمتي إلى ما يكرهون من غضبي) [3].

ان الآية تقرّر أيضا مبدءاً إنسانياً مهماً وهو احترام إرادة الانسان وحريته في تقرير مصيره وجعله محور التغيير مهما كانت العوامل الخارجية مؤثرة فاذا اساء الاختيار ــ كما لو لم يمنح صوته لمن يستحق في الانتخابات ــ فلا يلوم الا نفسه لان النتيجة المؤلمة التي وصل اليها كانت مقدماتها بيده وله القدرة على تغيير النتائج والتأثير فيها، ولم يقع شيء اعتباطاً أو مصادفة ونحو ذلك فلا يحاول الفرد أو الأمة ان تبرّر تعاستها وشقاءها بعوامل خارجية وسوء الحظ وتغفل عن دورها فيه.

وحينما ندعوا الله تبارك وتعالى (اللهم غيّر سوء حالنا بحسن حالك) [4] فلابد ان نلتفت إلى هذه الحقيقة فان الالطاف الإلهية الخاصة لها أسباب أُمِر الناس بالسعي لتحصيلها (إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا له) [5].

وقد ورد في بعض الاحاديث الشريفة ان ثلاثة لا يستجاب دعائهم لان الله سبحانه وتعالى جعل المخرج بأيديهم فلم يستفيدوا منه، فقد ورد عن الامام الصادق (عليه السلام) في الثلاثة الذين يرد دعائهم عليهم قال (رجل رزقه الله عز وجل مالاً فأنفقه في وجوهه ثم قال: يا رب ارزقني فيقول الله عز وجل اولم ارزقك، ورجل دعى على امرأته وهو ظالم لها فيقال له: ألم اجعل امرها بيدك، ورجل جلس في بيته وترك الطلب ثم يقول : يا رب ارزقني فيقول الله عز وجل ألم أجعل لك السبيل إلى الطلب للرزق) [6] وقلت في حديث سابق [7] ان الحديث يمكن ان يشمل حالات اخرى كثيرة كمطالبة الشعب بتخليصهم من السياسة الجائرة لبعض الحكام وهم من مكنوّهم من رقابهم في الانتخابات وكانت عندهم فرصة تغيرهم لو احسنوا الاختيار.

وان اقوى عاملين مؤثرين في إحداث عملية التغيير في الفرد والمجتمع هما القيادات الدينية والسياسية كما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله J (صنفان من أمتي إذا صلحا صلحت أمتي وإذا فسدا فسدت أمتي، قيل: يا رسول الله، ومن هما؟ قال (صلى الله عليه وآله): الفقهاء والأمراء ) [8].

وقد شرحنا في مناسبة سابقة كيفية هذا التأثير وتقّدم تأثير القيادة الدينية على السياسية [9]، والواقع والتجربة يثبتان ذلك، وعلينا نحن الحوزة العلمية بكافة تشكيلاتها ــ علماء وفضلاء وخطباء وأئمة جماعة وجمعات ــ ان نشكر الله تعالى على التوفيق للكون بهذا الموقع الذي بيده فرص واسعة للدعوة إلى الله تعالى وإصلاح الناس، علينا ان نعي مسؤولياتنا وخطورة دورنا ونسعى للقيام به على أحسنه بإذن الله تعالى.

 

 

 [1] - كلمة القاها سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) على طلبة مدرسة الابرار للعلوم الدينية في النجف الأشرف يوم الأربعاء 22 شعبان 1439 الموافق 9 / 5 / 2018 وعرضت على شاشة كبيرة في مؤتمر المبلغين الذي أقامه مكتب سماحته في قم المقدسة في اليوم التالي.

[2] - ومثال ذلك ما حصل في العراق عندما أطاحت جيوش الاحتلال الأمريكي بنظام صدام المقبور عام 2003 والتداعيات الخطيرة التي حصلت بعده.

[3]  - الدر المنثور: 4/48

[4] - من الادعية اليومية في شهر رمضان المبارك

[5] - كنز العمال:  21324، 21325.

6- الخصال للصدوق: 123، باب الثلاثة، ح208.

[7]- خطاب المرحلة: ج5 ص 391 ، رقم الخطاب 198 ، بعنوان الشعب غير معذور إذا لم يختر الكفوئين المخلصيـن

[8] - الخصال: 32، باب الاثنين: ح 12

[9] - راجع مقدمة كتاب (المعالم المستقبلية للحوزة العلمية )

العدد 181

كتاب مبدع جديد في فقه الأحوال الشخصية (توريث أولاد الأولاد مع وجود الأولاد المباشرين)

كتاب مبدع جديد في فقه الأحوال الشخصية

(توريث أولاد الأولاد مع وجود الأولاد المباشرين)

صدر عن دار الصادقين للطباعة والنشر في النجف الأشرف كتاب (توريث أولاد الأولاد مع وجود الأولاد المباشرين) وهو يضم محاضرات البحث الخارج التي ألقاها سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) وقد أبدع فيها وانتهى إلى نتيجة لم يسبقه إليها أحد من علماء المسلمين بحسب ما نعلم وهي استحقاق أولاد الأولاد لشيء من الميراث من حصة أبيهم أو امهم المتوفى في حياة أبيه وبذلك يشاركون الأولاد المباشرين بالميراث، وكل ذلك وفق أدلة متينة من النصوص الشرعية، وفنّد كل ما يمكن أن يستدل به على قول المشهور الذي يمنع من توريث الاحفاد مع وجود الأولاد المباشرين.

          والكتاب جدير بالمطالعة والتدقيق من قبل الفقهاء والقانونيين لما فيه من عمق وأصالة وبيان رشيق ولمعالجة إشكال منع أولاد الأولاد الصغار الأيتام من التركة وتوريث الأولاد الكبار فقط الذي يوجَّه إلى الفقه الاسلامي، والكتاب متوفر في معرض دار الصادقين وجامعة الصدر.

          نسأل الله تعالى أن يديم إفاضات علمائنا الاعلام ويوفقنا لخدمتهم ونشر آثارهم المباركة.

العدد 180

العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس/الحاجة إلى مراكز البحوث والدراسات التخصصية

بسمه تعالى

العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس

الحاجة إلى مراكز البحوث والدراسات التخصصية [1]

        روى في تحف العقول عن الامام الصادق (عليه السلام) قوله (العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس)[2] أي لا تدخل عليه الشبهات ولا تلتبس عليه الأمور ولا تختلط عليه الأوراق كما يقال ولا يضطرب، بل يكون على بصيرة من أمره، والمقصود بزمانه أي أهل زمانه أو أحوال زمانه بتقدير مضاف، وليس المعرفة بنفس الزمان المتكون من ساعات الليل والنهار.

        والحديث مطلق لا يختص بفئة أو شريحة وإنما كل من له معرفة بزمانه يكون هكذا، وفي الحقيقة فان المعرفة بأحوال الزمان وأهله مطلوب من كل عاقل ذي بصيرة ففي كتاب الكافي بسنده عن الامام الصادق (عليه السلام) قال (في حكم آل داود على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه حافظاً للسانه)[3] أي يكون ملتفتاً لإصلاح نفسه ومحاسبتها وتحليتها بالفضائل وتنقيتها من الرذائل، حافظاً للسانه عن اللغو والباطل.

        هذا ولكن ضرورة هذه المعرفة والحاجة إليها تزداد كلما ازدادت مسؤولية الفرد، لذا كان العلماء المتصدون لقيادة الأمة وإرشادها وهدايتها وإصلاحها أولى بتحصيل هذه المعرفة، لأن التباس الأمور على العالم واضطرابها ينافي تماماً وظيفته الإلهية، وهذا ما وصف به أمير المؤمنين (عليه السلام) إمرة الذين تقمصوا الخلافة قبله، قال (عليه السلام) (فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ــ أي جرحها ــ ويُخشُن مسُّها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فمني الناس ــ لعمر الله ــ بخبط ــ أي سير بغير هدى ــ وشِماس ــ أي صعوبة وعسر ــ وتلّون واعتراض ــ أي السير عرضاً بدل الامام.

        ويمكن أن نفهم الحديث على نحو الشرط أي لا يكون العالم عالماً حقيقة حتى تكون له معرفة بزمانه، أو نفهمه على نحو النتيجة أي من ثمرات العلم المعرفة بالزمان، والثاني يؤدي إلى الأول لأن معرفة الانسان بالزمان تكون كاشفة عن كونه عالماً حقيقة والا فلا.

        وعلى كلا التقديرين فالحديث صريح في أن تحصيل العلوم المقرّرة لا تكفي لصدق عنوان العالم الذي تناط به مسؤولية هداية الناس وإصلاحهم مالم تكن له بصيرة في تقلبات الزمان وتغيراته وعدم استقراره على حال، ومن كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك (أعرف الناس بالزمان، من لم يتعجب من أحداثه)[4] لأنه لا يتفاجأ بشيء منها لإحاطته بها.

        وان يمتلك فطنة ورؤية ثاقبة بأحوال الناس واكتشاف أخلاقهم وصفاتهم ليتمكن من تمييز الصديق عن العدو والمؤمن من الفاسق والأمين من الخائن، والصالح من الطالح ليحدّد طريقة التعامل مع كل منهم بما يناسبه ويضع كلاً منهم في موضعه المناسب، فيقرّب هذا ويبّعد ذاك، ويحمَّل هذا مسؤولية محدودة، وذاك أوسع منها، ويأخذ بكلام هذا ولا يأخذ بكلام ذاك.

        ولذا قرنت جملة من وصايا المعصومين (عليه السلام) بين هذه المعرفة وكيفية التعامل مع الآخرين ففي حديث آخر (عارفاً بأهل زمانه مستوحشاً من أوثق اخوانه)[5] وفي وصية الامام أمير المؤمنين لولده الحسن (عليهما السلام) (يا بني انه لابد للعاقل من أن ينظر في شأنه فليحفظ لسانه وليعرف أهل زمانه)[6].       

        محل الشاهد ان العلوم التي نتلقاها في الحوزة العلمية لا تكوِّن لدينا هذه المعرفة، نعم هي تزوّدنا بالأدوات والوسائل والرؤية ومنهج التعامل، من هنا تبرز الحاجة لرفد الحوزة العلمية بمراكز البحوث والدراسات في شتى المجالات حيث تتخصص كل جماعة بأحد الحقول، فان العالم بمفرده لا يستطيع تحصيل هذه المعرفة، والإحاطة بكل القضايا التي تتطلب منه مواقف ومعالجات وحلولا، واذا كان وجود مثل هذه المراكز يعتبر حالة شاذة في الأزمنة السابقة وتجهض مثل هذه المشاريع قبل ولادتها، فأن البيئة اليوم تساعد عليها بل وجدِ عدد منها بفضل الله تعالى، والمطلوب المزيد منها.

       

[1] - من حديث سماحة الشيخ اليعقوبي (دام ظله) مع مدير ورؤساء أقسام وأعضاء مركز الامام الصادق (عليه السلام) للبحوث والدراسات التخصصية في النجف الاشرف يوم الأربعاء 17 / رجب / 1439 المصادف 4 / 4 / 2018 وتحدّث سماحته بنفس المضمون بعد أسبوع اثناء لقائه بمدير ورؤساء أقسام مجمع البحوث الإسلامية في العتبة الرضوية المقدسة في مشهد.

[2] - تحف العقول: 259

[3] - أصول الكافي: 2 / 116 باب الصمت وحفظ اللسان، ح 20

[4] - غرر الحكم: 3252

[5] - الكافي: ج ١ / ص ٤٩

[6] - بحار الأنوار: ج 68 / ص 339

العدد 180

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ

بسم الله الرحمن الرحيم

 (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)[1] (البقرة:152)

تشريف وتكريم من الخالق العظيم لعباده بأن يقرن ذكره بذكرهم ويبادلهم الذكر فيذكرهم اذا ذكروه ومن دعاء للإمام السجاد (عليه السلام) (إلهي انت قلت وقولك الحق (فاذكروني اذكركم) فأمرتنا بذكرك ووعدتنا عليه أن تذكرنا تشريفاً لنا وتفخيماً واعظاماً، وها نحن ذاكروك كما أمرتنا فأنجز لنا ما وعدتنا يا ذاكر الذاكرين)[2] ، بينما لا يطمع الانسان في ان يذكره إنسان ضعيف عاجز مثله وهو يعشقه ويصفّق له ويلهج باسمه ويلهث وراءه ويدافع عنه وربما يضحي من اجله والآخر لا يعرفه ولا يقيم له وزناً فشتّان بين المعبودين!.

          والمراد بذكر الله تعالى عبده اذا ذكره منحه العطاء الخاص وترتيب الأثر المناسب والا فان الله تعالى لا يغفل عن عباده ولا يهملهم وهم يتقلبون بنعمه دوماً (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) (الحديد:4) وهذا العطاء الخاص له اشكال عديدة ويتناسب مع نوع الذكر لان ذكره لله تعالى يجعله مؤهلاً لنزول البركات والمنن والعطايا، ففي حديث نبوي شريف في تفسير الآية (اذكروني يا معاشر العباد بطاعتي اذكركم بمغفرتي)[3] والطاعة تشمل الواجب والمستحب، والمغفرة تشمل محو الذنوب المقترفة أو عصمة العبد ووقايته من الوقوع في غيرها.

أو يذكره الله تعالى بالرحمة اذا ذكر ربّه بالطاعة قال تعالى (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (آل عمران:132).

وفي حديث آخر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (اذكروني بالطاعة والعبادة اذكركم بالنعم والإحسان والراحة والرضوان )[4]  أو يذكر ربّه بالشكر فيذكره بزيادة النعم (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) (إبراهيم:7) او اذكروني بالدعاء لأذكركم بالإجابة (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر:60) او اذكروني في الدنيا لأذكركم في الآخرة، او اذكروني في عالمكم الصغير لأذكركم في العالم الكبير ونحو ذلك مما ورد في الاحاديث الشريفة، ففي الحديث النبوي الشريف قال الله تعالى (انا عند ظن عبد بي وانا معه اذا ذكرني، فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وان ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرّب اليّ شبراً تقربتُ إليه ذراعاً)[5].

وفي الحديث الآخر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال (قال الله عز وجل ذكره: لا يذكرني أحد في نفسه الا ذكرته في ملأ من ملائكتي ولا يذكرني في ملأ الا ذكرته في الرفيق الأعلى)[6].

ولذا يحظى ذكر الله تعالى بأهمية كبيرة ومن الأسباب القوية لبلوغ الكمالات، وفي الحديث الشريف (أحب الاعمال الى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله) أي يكون الانسان في ذكر مستمر حتى اذا فاجأه الموت كان لسانه رطباً بذكر الله تعالى وفي حديث آخر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) (ليس يتحسّر أهل الجنة الا على ساعة مرّت بهم لم يذكروا الله تعالى فيها) وروى عنهم (عليهم السلام) (إن في الجنة قيعاناً، فاذا أخذ الذاكر في الذكر أخذت الملائكة في غرس الأشجار فربما وقف بعض الملائكة فيقال له: لم وقفت؟ فيقول: إن صاحبي قد فتر، يعني عن الذكر)[7].

وروى في عدة الداعي ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج على أصحابه فقال (ارتعوا في رياض الجنة، قالوا: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما رياض الجنة، قال مجالس الذكر اغدوا وروحوا واذكروا، ومن كان يحب ان يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده، فان الله تعالى ينزل العبد حيث انزل العبد الله من نفسه، واعلموا أن خير اعمالكم عند ملكيكم وازكاها وارفعها في درجاتكم وخير ما طلعت عليه الشمس ذكر الله تعالى فإنه أخبر عن نفسه فقال: انا جليس من ذكرني).

وفيه ايضاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال (قال سبحانه اذا علمت أن الغالب على عبدي الاشتغال بي نقلت شهوته في مسألتي ومناجاتي، فاذا كان عبدي كذلك وأراد أن يسهو حلت بينه وبين ان يسهو، اولئك اوليائي حقا، أولئك الابطال حقاً، أولئك الذين اذا اردت أن أهلك اهل الأرض عقوبةً ذويتها عنهم من أجل أولئك الابطال).

والأصل في الذكر حضور المعنى في القلب وتأثيره في الجوارح وليس مجرد تحريك اللسان به وإن كان هذا لا يخلو من ثمرة طيبة، لكن المطلوب حصول تلك المراتب روى في كتاب المعاني عن ابي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال (الا أحدثك بأشد ما فرض الله تعالى على خلقه؟ قلت: بلى، قال: انصاف الناس من نفسك ومواساتك لأخيك وذكر الله في كل موطن، اما اني لا أقول: سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر، وإن كان هذا من ذاك، ولكن ذكر الله في كل موطن اذا هجمت على طاعته او معصيته). فتتخذ الموقف الذي يرضي الله تعالى في كل تلك المواطن.

وفي الحديث النبوي الشريف (من اطاع الله فقد ذكر الله وإن قلّت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن، ومن عصى الله فقد نسي الله وان كثرت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن )[8]. وهذا يبين لنا بوضوح المقياس الذي يعرف به الذكر والذاكر وعدم الاكتفاء بالحركات الخارجية، وعلى هذا فالذكر له مصاديق واسعة تشمل كل الطاعات، ومنها طلب العلم والحضور في مجالس الوعظ والإرشاد وحلقات العلم.

هذا الرصيد الضخم الذي يكتسبه الانسان بالذكر يمكن ان يفرط به ويضيعه بسبب ارتكابه بعض الحماقات غفلة او انسياقاً وراء اهواء النفس ففي الحديث الشريف (من قال سبحان الله غرس الله له بها شجره في الجنة و من قال الحمد لله غرس الله له بها شجره في الجنة و من قال لا اله الا الله غرس الله له بها شجره في الجنة و من قال الله اكبر غرس الله له بها شجره في الجنة فقال رجل من قريش يا رسول الله إن شجرنا في الجنة لكثير قال نعم و لكن إياكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها و ذلك إن الله عز وجل يقول يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (محمد/33) )[9]. وهذه النيران يمكن أن تكون الغيبة أو الحسد أو الظلم أو انتقاص وإهانة الآخرين أو التقصير في القيام بعمل إنساني كان قادراً عليه.

وعلى الانسان ان يتجنب كل ما يلهيه  عن ذكر الله تعالى ويشغله عنه من أمور الدنيا واتباع الشهوات والاهواء قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المنافقون:9) وهو ما يبتغيه شياطين الانس والجن (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ) (المائدة:91) فيقع الانسان في الغفلة الموجبة للبعد عن الله تعالى والوقوع في المعاصي، روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله (ليس في المعاصي أشدُّ من اتباع الشهوة فلا تطيعوها فتشغلكم عن الله)[10] وعنه (عليه السلام) قال (كل ما الهى عن ذكر الله فهو من ابليس)[11]  ).

وينبغي الالتفات إلى ان هذه الملازمة بين ذكر الله تعالى وذكر العبد قد تكون سلاحاً ذا حديّن فتكون العقوبة على من يعصي الله تعالى وهو ملتفت وذاكر مضاعفة، ففي الدر المنثور عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال (فمن ذكرني وهو مطيع فحقَّ عليّ أن اذكره بمغفرتي، ومن ذكرني وهو لي عاصٍ فحقَّ عليّ ان أذكره بمقت).

وفي نفس المصدر (أوحى الله تعالى داود قل للظلمة لا يذكروني فان حقاً عليَّ اذكر من ذكرني وإن ذكري إياهم أن العنهم).

[1] - الكلمة التي القاها سماحة المرجع الشيخ اليعقوبي (دام ظله) على طلبة جامعة الامام الباقر (عليه السلام) في النجف الأشرف بحضور ادارتها وأساتذتها يوم الجمعة 12 رجب 1439 المصادف 30 / 3 / 2018.

[2] - بحار الانوار: 94/ 151 / ح 21

[3] - الدر المنثور: 1 / 148

[4] - عدة الداعي

[5] - اخرجه في الدر المنثور عن أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي في شعب الايمان.

[6] - نفس المصدر عن الطبراني.

[7] - بحار الانوار:93 / 63 ح 42

[8] - الدر المنثور: 1/149

[9] -  بحار الأنوار: 93/  168 ح3.

[10] - غرر الحكم:7520

[11] - ميزان الحكمة: 3 / 356 عن تنبيه الخواطر: 2/ 170

العدد 180

تأصيلات في الفقه الاجتماعي

بسمه تعالى 

تأصيلات في الفقه الاجتماعي

          أثار سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) خلال لقاءاته مع بعض العلماء الاعلام في الجمهورية الإسلامية في إيران مؤخراً قضية الفقه الاجتماعي وضرورة الاهتمام به، مما دعا مجلة الفقه والمجتمع وموقع الاجتهاد الالكتروني إلى اجراء الحوار[1] التالي مع سماحته:

          1- ما معنى الرؤية الاجتماعية في الفقه؟

يمكن أن يراد بالرؤية الاجتماعية في الفقه أكثر من معنى:

          أ / ان يكون المخاطب بالحكم الشرعي والمكلّف به المجتمع وليس الفرد يعني ان الفقيه ينظر إلى الأمة ويجعلها نصب عينيه عند استنباط الحكم الشرعي وليس الفرد، فأننا نعتقد ان للأمة كياناً ووجوداً يولد وينمو ويموت ولها أحوال متباينة من الصلاح والفساد والانحطاط والازدهار، وتصلح أن تتعلق بها الاحكام الشرعية المناسبة لها.

          والمتتبع للآيات الكريمة والاحاديث الشريفة يجد مثل هذه الخطابات، كقوله تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) (آل عمران:110) وقوله تعالى (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) (آل عمران:104) وقوله تعالى (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة:122).

          اما الروايات الشريفة فهي كثيرة ومن القرائن على كون التكليف (اجتماعياً) إِناطته بلفظ (الامام) وهو يعني ولي الامر والفقيه المتصدي لولاية الأمور العامة للأمة. 

          وقد لا يكون المخاطب بالتكاليف كل الأمة بل شريحة معينة منها كفقه الأطباء أو المعلّمين أو النساء أو الرياضة أو العمال أو القضاة وغير ذلك وقد اصدرنا كتباً كثيرة حتى في (تجارة المواد المستعملة) التي راجت في العراق في تسعينات القرن الماضي بسبب الحصار.

          ب / أن تصاغ الرؤية الإسلامية على نحو نظريات وأنظمة وقوانين وليس على أساس مسائل شرعية مفكَّكة، على النحو المعروف في الرسائل العملية للفقهاء وحينئذٍ سنتعرف على النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والأخلاقي والقانوني والجنائي والدولي وغير ذلك للإسلام ويطلق البعض على هذا التوجه عنوان (فقه النظرية).

          2- كيف تعرّفون الفقه الاجتماعي؟ وهل هو ناسخ للفقه الفردي المتعارف؟

في ضوء ما قلنا آنفاً فان الفقه الاجتماعي ليس بديلاً عن الفقه الفردي وإنما يكون مكملاً له ويغطي مساحة أخرى لا يتناولها بناءً على المعنى الأول أو أنه يؤسس عليه ويعيد ترتيبه بناءً على المعنى الثاني، يعني ان الفقيه يستنبط أولاً المسائل على النهج المتعارف في الفقه الفردي ثم يجمع شتاتها ويعيد ترتيبها ليدِّون الفقه الاجتماعي فيضمّ كتاب النكاح والطلاق والوصايا والحجر وأمثالها ليؤلف النظام الاجتماعي ويجمع كتب الخمس والزكاة والوقف ونحو ذلك ليؤلف النظام المالي.

 

 

          3- كيف يتصف الفقه أو الفقيه بوصف (الاجتماعي)؟

لا يكون الفقيه (اجتماعياً) الا بعد أن يكون (فردياً) أي بعد أن ينال درجة الاجتهاد وفق الآليات المتعارفة في الحوزات العلمية، لأن الاستنباط في الفقه الاجتماعي نوع من التخصص في إعمال ملكة الاجتهاد فهو فقيه متخصًّص والمعروف أن التخصص في أي مجال علمي كالطب مثلاً يأتي بعد نيل أصل الملكة والقدرة على ممارسة المهنة.

          وهذا التخصِّص يحتاج إلى أدوات إضافية كالخبرة بالواقع المعاش والمعرفة بالعلوم المرتبطة بهذا التخصّص ويكون مصداقاً للحديث الشريف عن الامام الصادق (عليه السلام) (العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس[2]) ولكي يبدع في عمله فأنه يحتاج إلى مستشارين ومراكز بحثية ترفده بالبيانات التي تنقح الموضوعات التي يريد النظر فيها.

          4- اساساً هل كان في الفقه رؤية اجتماعية منذ التكوّن ونشوئه حتى الآن؟

لم تغفل النصوص عن الأمة ــ كأمة ــ في خطابها ولم ينفّك الفقه الفردي الموجود عن جانبه الاجتماعي وكل ما نحتاجه إعادة قراءة النصوص الشرعية والفقهية برؤية جديدة ومن زاوية اخرى وتقديمها بصياغة جديدة.

          وفي هذا الاطار فقد دعوت في بعض ابحاثي[3] إلى إعادة تسمية الواجبات (الكفائية) بالواجبات (الاجتماعية) بعد أن كتبت بحثاً مفصّلاً في حقيقة الوجوب الكفائي المعروف لدى الأصوليين والفقهاء وانتهيت إلى ان التقسيم إلى عيني وكفائي هو من خصائص الواجب وليس الوجوب الذي حقيقته واحدة فيهما معاً، وميزة الواجب الكفائي عن العيني انه موجّه إلى الأمة كأمة وليس كأفراد فالأولى تسميته بالواجب الاجتماعي، مضافاً إلى ما سبَّبه مصطلح الكفائي من تقاعس واتكالية ولا مبالاة.

          واعترضت مراراً على كلمتهم المشهورة (لا مشاحة في الاصطلاح) لأن الاصطلاح ومفهوم الشيء والفكرة هو الأساس الذي يبنى عليه العمل وينطلق منه، وهذا مثال عليه، ومن تطبيقاته ما حصل لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من اتّكالية أدّت إلى ضياع الفريضة أو شللها بسبب شروط الوجوب التي ذكرها الفقهاء انطلاقاً من النظرة الفردية ولو نظر إلى الفريضة من زاوية اجتماعية لما بقي وجه لتلك الاشتراطات.

          فإذن الفقه الاجتماعي ــ على المعنى الأول ــ موجود في اذهان الفقهاء وفي ما سطّروه من كتبهم تحت عنوان الواجبات الكفائية كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلاة الجمعة والدعوة إلى الله تعالى والتبليغ والإصلاح الاجتماعي والتصدي للعمل السياسي وإقامة احكام الله تعالى في الأرض وقد رتّبت عليه وجوب المشاركة في الانتخابات لتمكين القيادة الصالحة ونحو ذلك.

          أما المعنى الثاني للفقه الاجتماعي فإنه يشيَّد على أساس الفقه الفردي وقد بُذلت خلال العقود الثلاثة الأخيرة محاولات جادة في تقديم نظريات الإسلام على هذا الأساس ورأينا نتاجاً مثمراً ومثيراً للفخر والاعتزاز في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والقانونية والاجتماعية.

          ولعل السرّ في تأخر علماء الامامية في ولوج هذا المجال هو اقصاؤهم عن الحكم وإدارة الدولة والمجتمع وتعرضهم للبطش والاضطهاد من الحكومات المتعاقبة مما ولّد لديهم شعوراً بأن من العبث الخوض في مثل هذه المجالات واقتصروا على بيان تكاليف الأفراد.

          5- يعتقد البعض بأنه لا معنى لتحميل الفقه أعباء المسؤولية الاجتماعية، ويقتصر دوره على بيان الاحكام الفردية.

اعتقد ان الفقه الاجتماعي ضرورة حضارية لأننا نفاخر الأيديولوجيات والنظم الأخرى بأن الإسلام هو الأصلح لقيادة البشرية وانه النظام الأكمل والمستوعب لكل حاجات الناس في كل الأزمنة وله القدرة على مواكبة التغيرات، وهذا كله يتطلب تقديم الإسلام كنظام يدير شؤون الحياة في جوانبها المتعددة، وهذا لا يكفي فيه النمط المتعارف في الرسائل العملية، بل علينا أن نقدّمه كأنظمة ونظريات وقوانين تقنع الآخرين بما عندنا ولا تتركنا عاجزين عن مجاراة الأمم في إدارة شؤونها.

          ومن يستقرئ النصوص الشريفة يجد فيها اهتماماً بالغاً بالواجبات الاجتماعية قياساً بالفردية كقول الامام علي (عليه السلام) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول (إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام)[4] والآية الكريمة (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (المائدة:67) حيث جعلت نصب القيادة الحقّة ــ وهي من الواجبات الاجتماعية ــ في كفّة واحكام الرسالة كلها في الكفّة الأخرى.

          وقد كتبتُ عدة رسائل لبيان هذه الحاجة الملّحة وبعثتها إلى السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس) في عام 1985 م وحثثته على ولوج هذا المجال ووضعت هيكلية مفصّلة لترتيب الرسائل العملية للفقهاء وفق هذه الرؤية وأجاب برسائل مفصّلة نشرت كلها في كتاب (الشهيد الصدر الثاني كما أعرفه).

          6- ما هي آليات الاستنباط في الفقه الاجتماعي؟ وهل تكفينا الآليات الرائجة؟

بنظرة أولية اجمالية نقول: تشترك آليات الاستنباط الفقه الاجتماعي مع الفردي في الأصول العامة للفقه لكن قد يختفي فيه بعضها كالاحتياط اذ لا معنى لمخاطبة الأمة بالاحتياط وقد تبرز بعض المباني بقوة كدليل حفظ النظام الذي يستند إليه الفقهاء كثيراً لكنه لم يحظ بالتقنين المناسب له، وقاعدة نفي العسر والمشقة وتقديم الأهم على المهم من الملاكات وسيشيَّد عندنا فقه المصالح والمفاسد.

         وسنجد ــ عند البحث عن مباني الفقه الاجتماعي ــ دليلاً على العمل بمسلك سد الذرائع في حدوده المرسومة شرعاً.

         وستعاد قراءة النصوص وفق تغيرات الزمان والمكان وسيظهر بقوة دور الاحكام الولائية أي الصادرة بمقتضى ولاية الفقيه ضمن حدود الصلاحيات[5] الممنوحة له.

          واذكر لك كمثال الاطروحة التي قدمتها في بحث مفصل عن مسألة حرمان الزوجة من العقار المشهورة لدى الامامية وقلت فيها انه حكم ولائي صدر من الامام (عليه السلام) بصفته ولي الأمر لمصالح سياسية واجتماعية ذكرتها هناك فيكون استمراره منوطاً بامضاء ولي الأمر الفعلي وله نسخه.

          أو فتوى منع زيادة نسبة الفائدة عند بيع الدولار بالدينار إلى أجل معين عن 3% التي اعتمدتها وفاقاً لأستاذنا الشهيد السيد الصدر الثاني (قدس) بينما لم يحدد الفقهاء الآخرون نسبة معينة لأنها (تجارة عن تراضٍ) بينما انطلقنا نحن من ملاكات اقتصادية يعرف أهل السوق آثارها التدميرية لو لم نحدد النسبة.

          وحينئذٍ سنحتاج أيضاً إلى وضع قواعد حل التعارض بين التكليف الفردي والاجتماعي والعلاقة بينهما وهل هي على نحو التزاحم فيقتضي تقديم الأهم ــ وهو الاجتماعي ــ على المهم؟ أم انه على نحو الحكومة فيكون التكليف الاجتماعي حاكماً على الفردي لأنه من العناوين الثانوية الحاكمة على الأولية.

          مثلاً لو اضطررنا لفتح طريق أو توسيع الحرم المقدس لحصول ضرر ومشقة على الناس ورفض بعض الناس بيع املاكهم الشخصية الواقعة عليه فيصدر الفقيه (الاجتماعي) حكماً بالبيع وتسليم الثمن إلى المالكين رغم امتناع المالك، اما الفقيه (الفردي) فيحرّم التصرف بهذه الأملاك دون رضا المالك لأنها مغصوبة.

          أو مصادرة بعض الحريات الشخصية لحفظ الأمن العام ومنع وقوع الفتنة والفساد ونحو ذلك.

          وفي ضوء هذا الفقه سنقيّد إطلاق قوله (عليه السلام) (من احيا ارضاً من المؤمنين فهي له) [6] بما لا يضرّ بمصالح البلاد ويمنع من ظاهرة  الاقطاع التي استعبدت الفلاحين وصادرت حقوقهم، فلا يكفي الاحياء للتملك الا بإذن الفقيه الجامع للشرائط وما دام الاحياء والحيازة من دون إذن ولي الأمر فله انتزاع الأرض من محييها ، ولذا أطلقها أمير المؤمنين (عليه السلام) صريحة مدوّية من أول أيام بيعته بالخلافة (الا إن كل قطيعة أقطعها عثمان وكل ما أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال فان الحق القديم لا يبطله شيء ولو وجدته قد تزوِّج بها النساء وملك به الاماء لرددته) [7].

          7- ما هي وجهة نظركم في مستقبل علاقات الفقه والمجتمع؟

اعتقد ان الفقه الاجتماعي فرض نفسه على أروقة الحوزات العلمية وقد استجابت حوزات الجمهورية الإسلامية في ايران أكثر من النجف الأشرف لأسباب عديدة لسنا بصدد بيانها، مع ان النجف الأشرف كانت سبّاقة لمواكبة التحديات ولنا شواهد على ذلك بتأليف الميرزا النائيني لكتاب (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) تضمن تأصيلاً وابداعاً في الفقه السياسي وكان ذلك قبل أكثر من مئة عام ومعالجة الشيخ حسين الحلي للمسائل الاقتصادية المستحدثة كأعمال البنوك والتأمين على الحياة والعملات الورقية مطلع الستينيات من القرن الماضي وطبعت تقريراته في كتاب (بحوث فقهية) للشهيد السيد عز الدين بحر العلوم.

          ولا ننسى الأثر العظيم الذي تركه كتابا (اقتصادنا) و (البنك اللاربوي) للشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس).

          فالمأمول من العلماء الاعلام والفضلاء الكرام والمؤسسات والمراكز العلمية والبحثية ان تولي هذه القضية اهتماماً كبيراً.

           وقد اوعزت لبعض المراكز العلمية في النجف الأشرف بإعداد المقدمات لإصدار مجلة في الفقه الاجتماعي لتكون نافذة لإبراز الآثار المتنوعة للعلماء والفضلاء وتحفيزهم على البحث في هذا المجال الحيوي والله ولي التوفيق.

 

[1] - حرر الحوار يوم الجمعة 3 شعبان 1439 الموافق 20 / 4 / 2018 ببركة الميلاد الميمون للإمام الحسين (عليه السلام) محيي اعظم الواجبات الاجتماعية: الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن حسن الاتفاق ان محاضرة القاها سماحة الشيخ اليعقوبي (دام ظله) بعنوان الأسس العامة للفقه الاجتماعي كانت بنفس الذكرى عام 1422 / 2001 وهي منشورة في موسوعة (خطاب المرحلة:1/315).

[2] - تحف العقول: 259

[3] - راجع كتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من موسوعة فقه الخلاف وكتاب (حقيقة الوجوب الكفائي)

[4] - أمالي الطوسي المجلس 18:522 ح1154 البحار 76:43

[5] - راجع كتابنا (فقه المشاركة في السلطة) وكتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)

[6] - وسائل الشيعة: 9 / 549 ، ح 13

[7] - نهج البلاغة: 1 / 46

العدد 180

دور الدين في بناء المجتمع الصالح

بسمه تعالى 

دور الدين في بناء المجتمع الصالح [1]

عشنا فترة في أيام النظام البائد بلغت الذروة في محاربة الدين والسخرية والاستهزاء من المتدينين فقد كانوا يصفونهم بالتخلف والرجعية والعمالة للإمبريالية وكانت النساء أكثر عرضة لتميَّز المتدينة بالحجاب وقد أثّرت هذه الحرب الشرسة فقلَّ عدد المتدينين خصوصاً بين الشباب وأغلقت الكثير من المساجد والحسينيات أبوابها.

وفي مثل هذه الأجواء جمعت سيارة اجرة صغيرة رجل دين مع أحد هؤلاء المهوسين بالسخرية من الدين وراكبين آخرين، وكان هذا المغفَّل سليط اللسان سيء الالفاظ فأراد أن يستهزئ برجل الدين على طريقته الخاصة، فأخذ يسأل الركاب عن مهنهم فأجاب الأول بأنه عامل والثاني بأنه مهندس فأثنى عليهما وأشاد بدورهما في إعمار البلاد وتقدمها ثم التفت إلى عالم الدين وسأله فأجابه بأنه يعلّم الناس الحلال والحرام وما عليهم أن يفعلوا ويتجنبوا ويدلّهم على مكارم الاخلاق واجتناب الفحشاء والمنكر فضحكّ هذا المغرور ساخراً وقال: يا شيخ: اتركوا الناس على حالهم ولا تتدخلوا في شؤونهم وليفعلوا ما يشاؤون بحريّة، فلم يجبه عالم الدين.

         وحينذاك اصطدمت السيارة بأخرى وسقط من على سقفها صندوقان مملوءان بالفاكهة لهذا المغرور فتناثرت الفاكهة وتجمعّ الناس ونهبوا هذه الفواكه، والرجل المغفَّل يصيح بهم ويطالبهم بإرجاع الفواكه ولا أحد يصغي إليه وهنا تدخل عالم الدين ووعظ الناس وحذّرهم من أكل لقمة الحرام وسوء عاقبة الظلم وأمرهم بإعادة الحق إلى صاحبه فأثرّت الموعظة فيهم واعادوا ما بأيديهم، وعرضوا دفع ثمن ما أكلوا منها وساعدوا صاحبها على جمع المتناثر منها وهنا وجّه العالم كلامه للمستهزئ: أعلمت الآن ما هي وظيفتنا فخجل الرجل واعترف بخطأه واعتذر.

         هذا جانب من دور الدين في حياة الانسان وهو توجيهه إلى عمل الخير والالتزام بالأخلاق الفاضلة ومنعه من الظلم والعدوان وتجنب الرذائل والفحشاء والمنكر، قال تعالى (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل:90)، فهل يريد الانسان العاقل السوي غير هذه؟ فلماذا النفور من الدين؟

         فعلى جميع أولياء الأمور في الاسرة والمدرسة والجامعة والمسجد ووسائل الاعلام وسائر مرافق الحياة أن يحثوا الناس على الالتزام بالدين لتستقيم الحياة وتتخذ شكلها الحضاري والإنساني السامي.

 

 

[1] - من حديث سماحة المرجع الشيخ اليعقوبي (دام ظله) مع جمع من المدرّسين والتربويين ووجهاء ناحية الفجر الذين زاروا سماحته لتقديم الشكر على تبرعه بتكاليف انشاء صفوف دراسية لأبنائهم ضمن حملة واسعة لتعمير المدارس وتجهيزها وتزويد الطلبة بالكتب يوم 22 رجب 1439 المصادف 9 / 4 / 2018

العدد 180

المرجع اليعقوبي يتشرف بزيارة مشهد الامام الرضا (عليه السلام)

المرجع اليعقوبي يتشرف بزيارة مشهد الامام الرضا (عليه السلام)

 قام سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) بزيارة لمشهد الامام الرضا (عليه السلام) استغرقت أربعة أيام، وقد تشرف سماحته بتنظيف الغبار من داخل الضريح المطهر للإمام (عليه السلام) صباح يوم الثلاثاء 23 رجب 1439 برفقة سماحة السيد ابراهيم رئيسي (دامت  بركاته) الأمين العام للعتبة الرضوية الشريفة.

        كما قام سماحته بزيارة مجمع البحوث الإسلامية، ومقر إدارة الحوزات العلمية في خراسان واطّلع على هيكلية هذه المؤسسات واقسامها وفعالياتها وإصداراتها وحث على تبادل الحوزات العلمية الخبرة والإنتاج الذي حققته هذه المؤسسات خلال عدة عقود من عملها لتكون بمستوى المسؤوليات المناطة بها.

        والتقى (دام ظله) بسماحة السيد احمد علم الهدى (دامت بركاته) إمام جمعة مشهد، كما التقى بسماحة السيد رئيسي في مكتبه في العتبة الرضوية المقدسة، وسادت اللقاءات نقاشات علمية متنوعة.

        ووصل سماحته (دام ظله) مطار النجف بفضل الله تعالى ظهر يوم الجمعة 26 رجب 1439 المصادف 13 / 4 / 2018 فشكراً لله تعالى على ما أنعم.

 

Close